السعودية تخلع عباءتها.. ما أهداف ابن سلمان من تغريب المجتمع المحافظ؟

ترفيه, سياسة, مقالات
حفلات صاخبة

شكل إعلان السلطات السعودية تخفيف قيود الصلاة في الحرمين منذ 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وإلغاء التباعد الجسدي، ووقوف المصلين متراصين لأول مرة منذ أكثر من عام، مفاجأة سارة للمسلمين.

التخفيف جاء بدعوى انخفاض إصابات كورونا بنسبة 150 بالمئة، والتطعيم بثلاث جرعات، لكن السعوديين يجزمون أن هناك أسبابا أخرى وراء التسهيلات.

إذ اعتبروا أن قرار إلغاء التباعد والتخلص من الكمامة، ليس غرضه تسهيل الصلاة في الحرمين وإنما إفساح الطريق لمشاركة أكبر في “موسم الرياض” الترفيهي وحفلاته الصاخبة، التي تعد لها المملكة على نطاق واسع.

وشددوا على أن الهدف الأكبر هو تنشيط “موسم الرياض” 2021 بعدما ألغيت فعاليات 2020 بسبب كورونا، واستعادة ما جرى في عامه الأول 2019 من “اختلاط ورقص”.

تحرش وفوضى

ما أغضب السعوديين أن هذه الاحتفالات الغنائية الصاخبة جاءت بالتزامن مع مقتل 18 من الضباط السعوديين والجنود في جازان جنوبي المملكة في قصف شنته جماعة الحوثي من اليمن، وعدم مراعاة منظمي المهرجان مشاعر أسر القتلى وأحزانهم.

على مواقع التواصل، انتقد ناشطون غرق السلطة في حفلات الرقص والفرفشة بينما أسر 6 ضباط و12 جنديا سعوديا تنتحب لفقدان أبنائهم.

 

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شهد المهرجان مظاهر أكثر انحلالا مما كان في 2019، وتزايد الاختلاط والرقص والتحرش بالفتيات، وسط غضب شعبي من الفساد الأخلاقي الذي يزداد تفشيا في المملكة، وآخره السماح بالبكيني على شواطئ جدة.

ناشطون تداولوا على تويتر مقاطع مصورة لنساء يتعرضن للتحرش، وانتشر وسم #متحرش_موسم_الرياض لكشف تلك الوقائع، الأمر الذي أثار غضبا واسعا بسبب انعدام الرقابة والأمن.

ونشر هؤلاء صورا لراقصات ومطربات في المهرجان وتساءلوا عن الرسالة التي يريد منظمو المهرجان إيصالها لشعبهم والعالم.

الأمن العام في السعودية اعترف بانتشار التحرش في موسم الرياض 2021، قائلا إنه سيتعامل مع مرتكبيها، لكنه عرض صور معتقلين قال إنهم يعيبون في الذات الملكية والمسؤولين!.

الغريب أن المتحدث باسم الأمن العام، حذر مصوري هذه المقاطع لكشف التحرش من أنهم يمسون “بحياة الآخرين عن طريق إساءة استخدام الجوال في التصوير”، وهددهم بعقوبات “الغرامة والسجن”.

وكان ملفتا حرص رئيس هيئة الترفيه تركي آل الشيخ، مع انطلاق الموسم الترفيهي الجديد 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، على تأكيد أن المهرجان مدعوم من “قيادتنا”، “كي يحقق كل سعودي طموحاته وأحلامه”.

فقرات موسم أكتوبر/تشرين الأول 2021، كانت مثل 2019، تضمنت حفلات راقصة لمطربين غربيين ومسابقات رعاة بقر ومصارعة حرة للرجال والنساء من البطولة الأميركية الشهيرة، ومظاهر انحلالية واختلاط وغيرها.

ويشهد المهرجان الذي يستمر خمسة أشهر ما يصل إلى 7500 حدث فني وغنائي وترفيهي ورياضي واستعراضي مبهر ومصارعات على الطريقة الأميركية، بحسب المنظمين.

وعلى مدار 150 يوما ستعرض قرابة 70 حفلة موسيقية لمطربين أجانب تحيط بهم فتيات بملابس غير محتشمة، منهم مغني الراب “بيتبول” الذي يصطحب معه فرقة فتيات يرقصن شبه عاريات، كما يظهر على حسابه في انستغرام.

كما يشهد المهرجان بطولة مصارعة حرة أميركية للسيدات يشارك فيها مصارعات شهيرات، وهي ثالث مرة تعقد فيها مثل هذه الفعالية في المملكة منذ 2019.

ويقول سعوديون إن هذه المصارعة يجني منظموها ملايين الدولارات من أموال الشعب.

مقابل فرحة مسؤولين وشباب بالمهرجان، وجه كثير من السعوديين والعرب سهام النقد للحفل ومنظميه، معتبرين أنه هدر للأموال وانسلاخ عن الدين والعادات.

انتقدوا تركي آل الشيخ واتهموه أنه أخطأ في فهم “الترفيه” الذي يحتاجه السعوديون، وأن “الترفيه لا يجب أن يكون باستجلاب سخط الله”.

ويقول معارضون سعوديون إن ما يفعله ابن سلمان هو محاولة لتعميم تجربة “مجمع أرامكو” الذي هو أشبه بمدينة أميركية على أرض المملكة، ولكن ينتشر فيها الاختلاط والملابس الكاشفة والخمور والكريسماس وغيره.

مقدمات انحلالية

قبل انطلاق مهرجان مسابقات الرياض حذر ناشطون من أن غياب “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وما شهدته المهرجانات السابقة من جموح شبابي وانفلات أخلاقي بشوارع المملكة، ينذر باتساع رقعة الفساد الأخلاقي.

وسبق افتتاح موسم الرياض 2021، الكشف عن ثلاث ظواهر تؤشر لانهيار القيم الإسلامية في المملكة، وفق ناشطين.

أولها: التحرش الجماعي بالفتيات في اليوم الوطني السعودي 23 سبتمبر/أيلول 2021، والذي اعترفت به السلطات وأعلنت القبض على بعض الشباب، واتهم “تركي الشيخ” بأنه السبب وراءه.

وثانيها: كشف وكالة الأنباء الفرنسية 15 أكتوبر/تشرين الأول 2021 عن انتشار لهو النساء بالمايوه “البكيني” على شواطئ جدة مع أصدقائهن.

وقضاء “وقت ممتع” في سهرات رقص صاخبة لنساء ورجال على صوت الموسيقى الغربية هناك، وتدخينهن الشيشة في الأماكن العامة، وعدم اشتراط صلة زواج أو قرابة بين من يدخلون المنتجعات.

قالت إنه مقابل 300 ريال سعودي (80 دولارا) يمكن دخول غير المتزوجين إلى شاطئ Pure Beach قرب جدة، حيث يسبح مرتادو الشواطئ بحرية وترتدي النساء البكيني وبعضهن يدخن الشيشة على الشاطئ.

وبينت أن ما يشكو منه الرواد فقط هو عدم وجود خمور، فالأمر أشبه بالولايات المتحدة كما يقولون، لكن الشيء الوحيد المفقود هو كوكتيلات الخمر، بسبب حظر الكحول في السعودية حتى الآن.

وسبق أن أثيرت أزمة السماح بالبكيني، في الثاني من أغسطس/آب 2017، حين أعلنت السعودية إطلاق مشروع سياحي ضخم، بتحويل 50 جزيرة ومجموعة مواقع على البحر الأحمر لمنتجعات سياحية، خاضعة لقواعد منفصلة عن باقي البلاد.

ووصفت صحيفة التايمز البريطانية المشروع بأنه من بنات أفكار ولي العهد محمد بن سلمان، قائلة إن المملكة تستعد لافتتاح منتجع شواطئ يسمح للنساء بأخذ حمامات الشمس وهن يرتدين لباس السباحة “البكيني”، جنبا إلى جنب مع الرجال.

واعتبرت الصحيفة البريطانية ذلك دلالة على أن البلاد آخذة في الانفتاح رويدا رويدا، في ظل تشجيع شخصيات نافذة مثل ولي العهد على “التغيير التدريجي”.

وفي السياق، كشفت شبكة سي إن إن الأميركية في 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 أن السعودية تخطط لتحويل منصة نفطية إلى “متنزه ترفيهي صاخب” ليصبح منتجعا داخل البحر الأحمر، بغرض جذب السياح الأجانب بأنشطة “انفتاحية متطرفة” على غرار دبي.

وكان ثالث هذه المقدمات الانحلالية لمهرجان الرياض، كشف وكالة الأنباء الفرنسية أيضا في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2021 عن تحطيم معرض الكتاب السعودي “المحرمات” أو “التابوهات” كأحد نتائج انفتاح ولي العهد.

أشارت إلى أن المعرض عرضت فيه كتب عن “مواضيع كانت محرمة” مثل العلاقة الجنسية والإلحاد والشذوذ والسحر، والعلمانية، وذلك ضمن حملة التحرر التي يقودها ابن سلمان في المملكة”.

ضمن الانحلال المتصاعد اشتكى سعوديون من وصول الأمر إلى ظهور إعلان عن خدمات “تدليك بالجنس” في السعودية بشكل علني، ووصفوها بأنها إعلانات دعارة علنية.

كان السؤال الأبرز بين منكري هذا الانحلال والفساد الذي انتشر في المملكة هو: أين علماء السعودية؟ وهل يريد ابن سلمان الانحلال ليرضي عنه الغرب ويتجاوز عن انتهاكات حقوق الإنسان وقتل الصحفي جمال خاشقجي؟

قالوا إنه في سبيل تحقيق ذلك حل ابن سلمان هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسعى للتخلص من الشيوخ المصلحين وكذلك بعض أعضاء هيئة كبار العلماء المقربين من النظام الذين ينتقدون علمنته المملكة.

وفي سبتمبر/أيلول 2017، وعقب تعيين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لنجله محمد بن سلمان وليا للعهد في يونيو/حزيران 2017، شنت السلطات الخاضعة لسيطرته سلسلة من الاعتقال استهدفت منتقدين للانفتاح.

ومنهم رجال دين ومثقفون وأكاديميون وناشطون حقوقيون بارزون، فيما هرب للخارج عشرات آخرون بسبب استهدافهم.

سلخ الهوية

وفي خضم التغييرات الأخيرة في المملكة، خسرت الشرطة الدينية الكثير من نفوذها وتقلصت صلاحيتها إلى حد بعيد بعدما كانت تجوب الطرقات والمراكز التجارية وتفرض على السكان إغلاق أعمالهم أثناء فترات الصلاة.

وأجمع ناشطون عبر مشاركتهم في وسوم عدة أبرزها #البكيني، #موسم_الرياض، أن ما تشهده المملكة “تغريب وانسلاخ” عن أعرافها وقواعدها المجتمعية وانحلال أخلاقي وديني.

وأشاروا إلى أن تغريب المجتمع السعودي وإفساده هو الطريق الوحيد لبقاء ابن سلمان في الحكم والحفاظ على الدعم الغربي له، لذا زج بالعلماء والمصلحين في السجون لتجنب أي مقاومة لمخططه.

ورصد ناشطون سعوديون العديد من مؤشرات مؤسسة الشفافية العالمية “Transparency International”، حول الاستبداد والفساد في المملكة.

أكاديمي سعودي فضل عدم ذكر اسمه أبلغ “الاستقلال” أن هدف هذا الإصرار الرسمي على الانفتاح الانحلالي بالمهرجانات وغيره هو “سلخ الهوية الإسلامية وإقصاء القيم الإسلامية”، وإرضاء الغرب.

أكد أن “هناك سياسة متبعة من أعلى هرم في السلطة لإفساد المجتمع وسلخه عن هويته الإسلامية”، وأنهم يستخدمون أسلوب الصدمة، ويقولون “سندمرهم وفورا” ويقصد بذلك الصحوة الإسلامية والدين.

أوضح أنه رغم أن السلطة هي التي نشرت الفكر الوهابي السلفي وتشددت فيه، فهي تحمل الآن الصحوة الإسلامية الأكثر اعتدالا أخطاءها وتستغل ذلك لسلخ المجتمع كله من هويته الإسلامية لا إعادته لاعتداله.

وفي 22 مارس/آذار 2018 فاجأ ابن سلمان العالم بتحميل “حلفاء المملكة”، أي الغرب، مسؤولية نشر الفكر الوهابي في السعودية والمنطقة، لمواجهة تغلغل الاتحاد السوفييتي في المنطقة في فترة الحرب الباردة.

قال لصحيفة واشنطن بوست إن “الحكومات السعودية المتعاقبة ضلت الطريق في نشر الفكر الوهابي المتشدد، والوضع حان إلى إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح”.

ويشدد الأكاديمي السعودي على أن “هذا الإفساد والسلخ من الهوية يراد به أشياء كثيرة منها الانتقام من ظاهرة التدين، والتطبيع مع العدو الصهيوني، فلكي يحدث التطبيع لا بد من طمس العديد من القيم والمفاهيم التي تعتبر التطبيع منكرا”.

وللقضاء على الهوية الإسلامية، وضرب القيم الإسلامية التي تمثلها هذه الصحوة، يسعون لنشر ما يسمى الترفيه والانفتاح.

لذا يهيئون الأجواء عبر الإفساد وشعارات المواطنة والسعودية أولا لسلخ المجتمع من هويته الإسلامية عبر تسارع غريب غير مفهوم في هذا الانفتاح القائم على سلخ الهوية والإقصاء، وفق الأكاديمي.

وضمن هذا التوجه يأتي استقبال حاخام سعودي (خلال أكتوبر/تشرين الأول) وذهاب سعوديين إلى القدس المحتلة وانتشار شواطئ البكيني ومهرجان الرياض وغيرها.

وتابع الأكاديمي: “السلطة تعلق كل إخفاقاتها والمشكلات التي تعاني منها على الصحوة الإسلامية بغرض التخلص منها، ليبرروا لأنفسهم الانقلاب عليها والتخلص منها، وإلغاء كل شيء مرتبط بها لدرجة منع حتى مكبرات صوت الأذان”، وفق قوله.

وواصل: “يصورون الأمر كأن الدولة ومؤسساتها كلها كانت مختطفة من الصحوة الإسلامية أو الإخوان (المسلمين)، وهي المسؤولة عن الجمود والأخطاء، رغم أن هذه الأمور يتحملها التيار السلفي الحكومي التقليدي الذي كان حاكما في البلاد”.

معارض سعودي آخر فر إلى الخارج يشير إلى أن من ضمن خطط ولي العهد المرشح لاعتلاء عرش المملكة قريبا، السعي لـ “علمنة” السعودية والفصل بين المنصب الديني (خادم الحرمين) والمنصب الدنيوي (الملك).

يضيف لـ “الاستقلال” أن ضمن هذه الخطوات عملية تجميد أنشطة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنشاء هيئة “الترفيه” وما يتبعها من خطوات أخرى تحول البلاد لمسخ على طريقة مدينة لاس فيغاس الأميركية، وفق تقديره.

\\

للإطلاع على المقال من المصدر، يرجى النقر هنا

, , , , , , , , , , ,

أخترنا لك

القائمة