«جاكوبين»: هل اغتال الرأسماليون في هايتي رئيس البلاد جوفينيل مويس؟

جوفينيل مويس

اغتيل رئيس هايتي، جوفينيل مويس، الأسبوع الماضي في هجومٍ شنه مرتزقة مسلحون على مقر إقامته في العاصمة بورت أو برنس. للكشف عن ملابسات الاغتيال وداعميه المحتملين وإمكانية التدخل العسكري الأمريكي أجرت مجلة «جاكوبين» الفصلية الاشتراكية الأمريكية مقابلة مع محرر صحيفة «هايتي ليبرتي» اليسارية كيم إيفيس، أشار فيها بأصابع الاتهام إلى بعض أغنى العائلات في هايتي، وأعرب عن شكوكه في أنها استأجرت المهاجمين استباقًا لثورة محتملة، وربما حتى للتحريض على تدخُّل عسكري أمريكي.

ما عجزت عنه الاحتجاجات طيلة أشهر.. أنجزه المرتزقة في دقائق!

في ساعة مبكرة من صباح يوم 7 يوليو (تموز) وصلت تسع سيارات دفع رباعي إلى منزل رئيس هايتي – جوفينيل مويس – على مشارف العاصمة بورت أو برنس. كان مويس مُصِرًا على الاستمرار في منصبه لمدة عام آخر بعد انقضاء فترة ولايته في شهر فبراير (شباط)؛ بحجة أنه تأخر لمدة عام في استلام منصبه بسبب مزاعم بتزوير الانتخابات التي أجريت عام 2015؛ ما أثار حفيظة آلاف الهايتيين الذين خرجوا في مظاهرات أسبوعية متهمين الرئيس بالفساد، وخاصة تهريب أموال مشروع «بتروكاريبي»، والذي زودت فنزويلا بموجبه هايتي بمليارات الدولارات من النفط والتمويل بهدف دعم التنمية.

 

ما لم تنجزه أشهر من الاحتجاجات الشعبية نفذته مجموعة صغيرة من المرتزقة في دقائق. تظاهر أفراد المجموعة بأنهم عملاء لإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (التي تتواجد في هايتي للمساعدة في عمليات مكافحة المخدرات) حتى تمكنوا من الدخول إلى المنزل، وقتلوا الرئيس، حسبما يخلُص الحوار الذي أجراه الكاتب والمحرر أرفيند ديلاوار، الذي نشرت أعماله في مجلة «نيوزويك»، وصحيفة «الجارديان»، وموقع «الجزيرة»، ومنافذ إعلامية أخرى.

تلفت مجلة «جاكوبين» إلى أن اغتيال مويس يأتي في ظل رياحٍ حماسية ثورية تهب على هايتي. مظاهراتٌ شعبية ضد الفساد – دعمها البرجوازيون المعارضون للرئيس السابق – أفسحت المجال مؤخرًا أمام قوى راديكالية، مثل تلك الملتفة حول جيمي باربيكيو شيريزير – الشرطي السابق الذي سعى إلى توحيد عدد من مجموعات الدفاع الشعبي المسلحة في هايتي، وحتى العصابات الإجرامية، تحت راية ما يسمى «مجموعة التسع» بهدف إطاحة سلطة الدولة – في معقله الرئيس بمدن الصفيح، حيث الملايين من الفلاحين السابقين الآن «اللومبن بروليتاريا العاطلين عن العمل» (ما دون الطبقة العاملة).

وبينما لم يُكشَف النقاب بعد عن هوية من يقفون وراء اغتيال جوفينيل مويس، أعرب إيفيس – الذي يشارك أيضًا في استضافة برنامج أسبوعي حول هايتي على إذاعة WBAI-FM الأمريكية – عن اعتقاده بأن الحادث لم يكن إلا مؤامرة تهدف إلى إخماد الروح الثورية، وربما حتى تحريض الولايات المتحدة على إرسال مشاة البحرية الأمريكية إلى هايتي.

من يمتلك المال الكافي للقيام بذلك؟ ومن له مصلحة في ذلك؟

يقول إيفيس: كان المرتزقة يركبون سيارات حديثة من طراز «نيسان باترول»، ومن الواضح أنهم كانوا على دراية بتصميم المجمع الرئاسي الذي كان يعيش فيه مويس، ومن الواضح أيضًا أنهم كانوا مدربين جيدًا، ولديهم تمويل سخي. لقد كانت عملية معقدة للغاية.

خلُصَت صحيفة «هايتي ليبرتي» إلى فرضية تُرجِّح أن عائلة – أو مجموعة من العائلات البرجوازية التي تعارض جوفينيل مويس – استأجرت المرتزقة. ولا غروَ فقد كان هناك كثيرون غير راضين عن مويس، مثل: ريجينالد بولس، وديميتري فورب. وإذا كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن مدبري الاغتيال كانوا يخشون الانتفاضة القادمة من مدن الصفيح الشاسعة في هايتي، حيث تنظم طبقة «اللومبن بروليتاريا» نفسها، وتكون عصابات مسلحة، وقد تعهدت الآن بإطلاق ثورة ضد البرجوازية و«النظام الفاسد»، كما يسمونه في هايتي.

يقود هذه العصابات شيريزير، الشرطي السابق الذي تحوَّل إلى التطرف بسبب سوء حظه وتعرُّضه للخيانة، ليس فقط من قيادة الشرطة، ولكن أيضًا من المعارضة البرجوازية، بل من مويس نفسه. لذلك يدافع شيريزير عن «البؤساء في الأرض»، كما سماهم الفيلسوف الاجتماعي فرانز فانون.

قبل 50 عامًا كان المجتمع الهايتي مجتمعًا ريفيًا إلى حد كبير يتكون من الفلاحين. لكن على مدار الـ35 عامًا الماضية منذ سقوط الدكتاتور جان كلود دوفالييه (إثر انتفاضة شعبية في عام 1986) أدت الإصلاحات النيوليبرالية التي أيدتها واشنطن في هايتي إلى تدمير الزراعة في البلاد. وكانت النتيجة: تدمير ملايين الفلاحين، والذين انتقلوا إلى المدن للانضمام إلى صفوف طبقة «اللومبن بروليتريا» الضخمة.

يضيف إيفيس: تشعر الطبقة البرجوازية بالرعب الشديد من هذه الثورة. فقبل أيام قليلة قال شيريزير: «نحن قادمون لنقتحم مصارفكم، ومعارض سياراتكم، ومتاجر بقالتكم، وننتزع حقنا». لم يكن مويس يوفر للطبقة البرجوازية أية حماية. ولا غروَ؛ فلم تكن لديه أية سلطة داخل الدولة، وإنما كان معزولًا تمامًا، لكنه كان على الرغم من ذلك يرفض الرحيل، لذلك أعتقد أنهم اضطروا إلى تنحيته قسرًا.

أحد الأسماء التي تكرر ذكرها في الحوار هو: ريجينالد بولس، أحد أغنى الرجال في هايتي، وأكثرهم خلافًا مع مويس. يعتقد إيفيس أن بولس فرّ من البلاد. ونظرًا لإصدار مذكرة توقيف ضده، لا يستبعد أن يكون هو الذي استأجر المرتزقة لقتل جوفينيل مويس. لكن مثل هذه العملية المعقدة تتطلب الأمر أموالًا أكثر مما يمكن أن توفره عائلة واحدة، ولذلك قد يكون هناك تحالف من العائلات وراء المؤامرة، على غرار ما حدث في الانقلابات السابقة، مثل الانقلاب على الرئيس السابق جان برتران أريستيد عام 1991، الذي رعته مجموعة من العائلات البرجوازية، وجمعت من أجل إنجاحه عشرات الآلاف من الدولارات.

هل كان الاغتيال بتدبير من الحركة الثورية أم محاولة لقمعها؟

يجيب إيفيس: كان تمويل العملية سخيًا. وصل المرتزقة في تسع سيارات حديثة من طراز نيسان باترول، كما أشرتُ آنفًا. ومن الواضح أنهم أمضوا وقتًا طويلًا في التخطيط للتنفيذ. ولم يكونوا أشخاصًا محليين، وإنما مرتزقة أجانب، يتحدثون الإسبانية والإنجليزية. وهذا ليس شيئًا يمكن أن تدبره طبقة «اللومبن بروليتاريا» التي تتخذ من مدن الصفيح معقلًا لها، وإنما هو صنيعٌ أقرب شبهًا بأسلوب المرتزقة الذين استؤجِروا قبل عامين لسرقة 80 مليون دولار من أموال صندوق «بتروكاريبي» في البنك المركزي الهايتي.

ومَن أفضل من الطبقة البرجوازية يمكن أن يفعل مثل هذا؟ كل ما عليهم فعله هو استئجار السلاح والمنفذين، على غرار استئجارهم بلطجية من طبقة «اللومبن بروليتاريا» في الماضي لإنجاز المهام القذرة. لولا أن شيريزير أعلنها: «لم نعد نعمل لصالحكم. لن ننجز بعد اليوم مهامكم القذرة». ولذلك كان يتعين عليهم البحث عن مرتزقة من خارج البلاد.

 ما هي هذه العصابات؟ وما هي أهدافهم؟

كان لنظام دوفالييه الدكتاتوري عصابة واحدة كبيرة تسمى «Tonton Macoute (المتطوعون لحماية الأمن القومي)»، وكانت في جوهرها قوة شبه عسكرية تعمل لحماية مصالح عائلة دوفالييه. لقد كانوا عيون النظام، وآذانه، ويده الباطشة، وظلوا يحرسون سلطته بفعالية كبيرة طيلة ثلاثة عقود. ولكن بعد فرار جان كلود دوفالييه من البلاد عام 1986 انفرك عقد تلك العصابة، وشرعت تفترس الأحياء الشعبية.

لمواجهة هذه الانتهاكات شكلت الأحياء الشعبية في هايتي ألويةً منظمة، بدأت في قرع أواني الطبخ لإخافة اللصوص، ثم تسلُّحوا تدريجيًا، ووظفتهم الطبقة البرجوازية لحراسة مصانعهم، أو منازلهم، أو أراضيهم. في نهاية المطاف انتقلوا من الدفاع إلى الهجوم «كان رب العمل يقول لهم: يمتلك خصمي محطة وقود تتنافس معي؛ اذهبوا واحرقوها».

مع احتدام الصراع السياسي في هايتي أصبحت العصابات متورطة في كافة أنواع الجرائم السياسية، مثل الاغتيالات. أدى ذلك مع مرور السنين إلى إشعال حرب بين العصابات، والتي كانت تعمل لصالح الطبقة البرجوازية وغيرها ممن كانوا يعملون – على سبيل المثال – لصالح حكومة أريستيد، التي كانت على نوع من العداء مع البرجوازية. ونتيجة لذلك كانت تلك المعارك مغموسة في السياسية.

ينتقل الحوار سريعًا إلى أعوام 2019، و2020، و2021، حين تضاءلت سلطة الدولة حتى أصبحت لا تسيطر على أي شيء تقريبًا. نُزِعَت مظلة الشرعية عن حكومة مويس، وأُمطِرت باللعنات بسبب فسادها وقمعها. وانتقلت مدن الصفيح، والعصابات التي تسكنها، إلى العمل لصالح أنفسهم، وكانوا يعتمدون في المقام الأول على الاختطاف مقابل الحصول على فدية، وإلا فإنهم يقتلون الرهينة؛ ما تسبب في بث الرعب والصدمة داخل المجتمع الهايتي.

هنا تدخل الشرطي شيريزير مع وحدة النخبة في الشرطة الوطنية الهايتية للحفاظ على النظام. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، أمرته قيادة الشرطة بتشكيل فريق من 10 أشخاص من الوحدة التي كان يقودها في مدينة سيتي سولاي لشن غارة على العصابات في منطقة مارتيسان الفقيرة. نشبت معركة درامية بين رجال الشرطة وأعضاء العصابات، أسفرت عن مقتل من أفراد العصابات، وربما بعض المدنيين أيضًا.

لم يتضح بالضبط ما حدث، ونأت قيادة الشرطة بنفسها قائلة: «لقد كانت عملية مارقة، قادها شيريزير». تركوه وحيدًا في مواجهة الانتقادات، وقدموه كبش فداء. عند هذه النقطة سلك شيريزير درب التطرف بعدما رأى أن الجهة التي كرس حياته في خدمتها كانت تخونه وتحاول استغلاله للتغطية على أخطائها.

بعد ذلك عاد شيريزير إلى حيّه الذي كان يرزح تحت نير هؤلاء الخاطفين والمغتصبين. ذهب مع رفاقه من وحدة النخبة إلى هذه العصابات، وقال لهم: «اسمعوا يا رفاق، أمامكم ثلاثة خيارات لا رابع لها: إما أن تتوقفوا عما تفعلونه، أو تغادروا المنطقة، أو سنقتلكم». ما كان من معظم أفراد العصابة إلا أن لاذوا بالفرار، وتوجهوا إلى أجزاء أخرى من المدينة.

اشتهر شيريزير بأنه رجل جاد يطبق القانون والنظام، وبدأ يطور علاقاته مع بعض قوى المعارضة، مثل الطبقة البرجوازية التي عارضت موس، لكن سرعان ما دخل شيريزير في صراع معهم حين طالبه بعضهم بإحراق بعض المنشآت.

عند هذه النقطة استقر في روع شيريزير أن كل شيء فاسد؛ ليس فقط الشرطة، وليس فقط الحكومة، ولكن أيضًا المعارضة، والطبقة البرجوازية. وبالتالي أصبح متطرفًا أكثر، واقتنع بضرورة تقويض النظام الفاسد والقذر من جذوره؛ لأنه فاسد حتى النخاع. وأطلق هذه الحركة أساسًا للقيام بثورة – كما يسميها – ضد العائلات الـ12 التي تحكم هايتي.

هل يعجّل اغتيال جوفينيل مويس إجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة؟

يستبعد إيفيس ذلك، ويرى أن الاغتيال يهدف إلى وضع السلطة في أيدي رئيس يرعى مصالح البرجوازية. لطالما طالبت المعارضة – التي تسيطر عليها الطبقة البرجوازية – بحكومة انتقالية، وربما حان الوقت لتشكيلها.

السؤال الأهم من وجهة نظر إيفيس هو: هل يوجد أي شخص يمتلك ما يكفي من القوة، أو الدعم، أو التعاطف، من الشعب لإجراء إصلاح شامل في الدولة؟ هل هناك رئيس، ورئيس وزراء، وقائد شرطة، يمتلكون ما يكفي من القوة والذكاء والأدوات اللازمة لوقف هذه الانتفاضة القادمة من مدن الصفيح؟ ليجيب: أشك في ذلك كثيرًا.

يتابع إيفيس: هذا يعني أنهم سيضطرون على الأرجح إلى الذهاب للخطة البديلة، وهي: التدخل العسكري الأجنبي. هنا يأتي دور الرئيس الكولومبي، إيفان دوكي، ومنظمة البلدان الأمريكية. ستبتهج البرجوازية برؤيتهم هناك لحماية مصالحهم التي تتوافق في الواقع مع المصالح التجارية الأمريكية، بل هم – في كثير من الحالات – ممثلون لشركات أمريكية، وفي بعض الحالات يحملون الجنسية الأمريكية.

من أجل ذلك يختم إيفيس حواره بالقول: أعتقد أن هذا الاغتيال كان في جوهره تمهيدًا للقمع، ولتدمير حركة «مجموعة التسع»، وإذا لزم الأمر استدعاء قوة عسكرية أجنبية ليتكرر المشهد نفسه للمرة الرابعة في غضون قرن.

\

للإطلاع على المقال من المصدر، يرجى الضغط على كلمة ( اقــــرأ )

القائمة