رغم فضيحة “باندورا”.. هذه مؤامرات أنظمة الاستبداد لإعفاء الفاسدين من العقاب

رغم فضيحة “باندورا”.. هذه مؤامرات أنظمة الاستبداد لإعفاء الفاسدين من العقاب

ضجة كبيرة خلفتها “وثائق باندورا” بعد كشفها عن تورط حكام ومسؤولين وأقاربهم في العالمين العربي والغربي بـ”فساد مالي”، لكن كما جرت العادة في العالم العربي يظل المتهمون من المسؤولين دون محاسبة.

“وثائق باندورا” تحقيق أجراه “الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين”، وشرع في نشره خلال أكتوبر/تشرين الأول 2021، ويتهم مئات السياسيين وأقاربهم في أرجاء العالم بارتكاب “مخالفات مالية”.

ففي حين كشفت “وثائق بنما” عام 2016 فضائح نهب 72 شخصية من رؤساء الدول، بينهم حكام ومسؤولون عرب وأجانب مليارات الدولارات من شعوبهم عبر 11 مليون وثيقة، وأثارت ضجة، تم استرداد حوالي 1.36 مليار دولار.

لكن ما تم استرداده حدث في الدول التي تحظى بأجهزة رقابة قوية وقدر من الحرية والديمقراطية، لكن ظل فساد عشرات الحكام والمسؤولين العرب مستترا ولم يقرب منهم أحد؛ لغياب المحاسبة والرقابة والحرية في بلادهم.

وبهذه الطريقة نجا متهمون جاءت أسماؤهم في الوثائق من أي عقاب وظلوا يحتفظون بما سرقوه، منهم الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده، نجله محمد، ورئيس الإمارات خليفة بن زايد آل نهيان.

وأيضا عائلة الرئيس السابق حسني مبارك التي احتفظت بالأموال المنهوبة، وكافأهم نائب عام نظام عبد الفتاح السيسي في 15 يوليو/تموز 2021، برفع أسمائهم من قوائم التحفظ على الأموال لينعموا بما نهبوه.

جشع وكذب

ومع ظهور أوراق أو وثائق “باندورا” التي يبلغ حجم التسريب ونطاقه فيها أضخم، حيث يزيد عدد ملفات “باندورا” السرية عن 11.9 مليون ملف، تفضح قادة ورؤساء ووزراء وأفراد عائلات مالكة ومسؤولين وعائلاتهم والمقربين.

والغريب هو توقيت كثير من الحكام والمسؤولين العرب لشراء هذه العقارات كما تبينها الوثائق، إذ جاءت مباشرة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي سنة 2011، حيث ظهر أن كثيرا منهم يكتنزون الأموال في صورة “أصول” في نظام مالي سري بمساعدة شركات سرية، وحالات تهرب وغسيل أموال ومخالفات أخرى مهولة.

وفي 3 أكتوبر/تشرين الأول 2021، قالت الباحثة في منظمة “مشروع الإبلاغ عن الجريمة والفساد، راشيل إيتر فويا: “إنها ليست مجرد تفاحة فاسدة، ولكن سلة كاملة تضم حكاما وأشخاصا وكثيرا من اللاعبين في جميع أنحاء العالم”.

ويقصد بـ”صندوق باندورا” في الأساطير والخرافات اليونانية القديمة، صندوق رمزي بداخله كل شرور البشرية من جشع وغرور وكذب، ما يعني أن فتح الصندوق يواكبه كشف العديد من الفضائح.

لذا كشف 650 مراسلا صحفيا، عملوا عبر “الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين”، هذه الوثائق السرية، واختيار اسم “باندورا” ليبينوا حجم “الفضائح والشرور” التي تتضمنها الوثائق.

الوثائق تتعلق بثروات وممتلكات وأموال سرية لـ35 من القادة الحاليين والسابقين، وأكثر من 300 مسؤول حكومي، أغلبها مخفي عبر شركات “أوفشور” التي تستهدف إخفاء أموال وثروات فاسدة لأكثر من 90 دولة.

وتم الكشف بشكل أولي، عن 57 شخصية فقط من الـ300، منهم 12 حاكما ومسؤولا وزاريا حاليا وسابقا من 7 دول عربية، وواحد إسرائيلي و9 من إفريقيا و13 من أوروبا و15 من أميركا اللاتينية والكاريبي، و7 من آسيا.

كما تم كشف تورط مسؤولين من دول أخرى، مثل السعودية في صفقات سلاح صربية ذهبت إلى “تنظيم الدولة” في اليمن ورجال أعمال عراقيين يشاركون في الانتخابات الحالية كانوا على علاقة بصدام حسين مثل خميس الخنجر.

غياب الرقابة

لا توجد هيئات رقابة شعبية أو مستقلة حقيقية في غالبية الدول العربية، ومحظور على الهيئات الحديث عن أي فساد أو تهرب من ضرائب وأموال للجهات الرسمية التابعة للحاكم أو الأجهزة السيادية المعاونة له، مثل المخابرات والجيش والشرطة.

وعلى سبيل المثال، حين سعى رئيس جهاز المحاسبات السابق في مصر، هشام جنينة، لكشف فساد النظام وتحدث عن أن الفساد في الجهاز الحكومي للدولة يتجاوز 600 مليار جنيه مصري (نحو 67.58 مليار دولار) في ثلاث سنوات، تمت إقالته وضربه في الشارع وسجنه لاحقا بتهم منها “الإدلاء بمعلومات كاذبة”، مع أن هذه المعلومات من صميم عمله.

وعلقت منظمة الشفافية العالمية على ذلك في تقريرها لعام 2019 مؤكدة أن “الفساد مستشر في مصر في ظل غياب أي إرادة سياسية حقيقية وجادة لمكافحته، والسيسي تعدى على الهيئات المستقلة حين أقال جنينة”.

ووفقا لتقرير منظمة الشفافية العالمية لعام 2020، احتلت 4 دول عربية “الأكثر فسادا” من بين 180 دولة، ومصر المركز 105 كأبرز الدول العربية الفاسدة.

وقالت المنظمة إن “الحرب على الرشوة والفساد لم تحقق نجاحا في معظم دول العالم، خاصة العربية، بل منيت بانتكاسات”، ويركز مؤشر الفساد على العلاقة بين السياسة والمال والفساد.

أيضا حين حاولت صحيفة “الوطن” الخاصة التي اشترتها المخابرات المصرية لاحقا، النشر عن تهرب 13 جهة سيادية من دفع الضرائب، في 11 مارس/آذار 2013، ما تسبب في خسائر بلغت 7.9 مليارات جنيه، تم إيقاف طبعها وإتلاف 100 ألف نسخة.

الجهات التي تحدثت الصحيفة عفويا عن تهربها وهي، “مؤسسة الرئاسة، ووزارات الدفاع، والداخلية، وجهاز المخابرات العامة”، تدخلت وتم استبدال التقرير بموضوع آخر عن المؤتمر الاقتصادي وإنجازات السيسي، قبل التوزيع.

“وثائق بنما” فضحت عمليات تهرب ضريبي وتربح غير مشروع للعديد من القادة العرب والشخصيات المشهورة، وملكيتها عبر شركات صورية لحكام مصر والسعودية والإمارات وليبيا وغيرها، ولم يمسهم أحد، فهل ستفعل “وثائق باندورا”؟.

هؤلاء الحكام لا يخفون ثروتهم مثل آخرين، ويفتخرون بها رغم فقر وتدني أحوال شعوبهم ولا أحد يحاسبهم لغياب أجهزة الرقابة والمحاسبة الفعلية.

بعضهم لا يخفي ثروته كالآخرين، مثل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وأحدثها شراؤه “قصر لويس الرابع عشر” بفرنسا بمبلغ 300 مليون دولار، بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2017.

ولوحة “المسيح المخلص”، أغلى لوحة في العالم، التي تزين ردهات اليخت الفاخر “القصر العائم” الخاص به، بعدما اشتراها بـ450 مليون دولار، بحسب موقع “آرت نت”، وفقا لـ”BBC” في 13 يونيو/حزيران 2019.

“الغرفة العربية السويسرية للتجارة والصناعة” في جنيف (أهلية)، قدرت في 23 ديسمبر/كانون الأول 2019، حجم الأموال العربية المنهوبة والمخفية في البنوك السويسرية، بنحو 200 مليار دولار.

موقع “دوتشه فيله” الألماني أكد في 30 أبريل/نيسان 2020 نقلا عن مصادر بهذه الغرفة أن إجمالي المبالغ العربية المودعة في الخارج، وتعود إلى حكام ورجال أعمال فاسدين، حصلوا على ثرواتهم بطرق غير مشروعة، بتريليونات من الدولارات.

صندوق الفساد

“الاستقلال” رصدت حجم ثروات المسؤولين العرب الـ12 التي وردت في أوراق ووثائق باندورا الأصلية، وتبريراتهم لها.

وأورد التحقيق معلومات عن 40 سياسيا ومسؤولا عاما من تسع دول في الشرق الأوسط لديهم كيانات خارجية في أوراق باندورا، منهم 12 مسؤولا عربيا.

اكتفى في الجزء الأول الذي جرى تسريبه بـ”أكبر الأسماء”، بما في ذلك قادة ست دول منهم حكام ومسؤولون عرب حاليون وسابقون، ورؤساء وزراء وشخصيات في أسر حاكمة.

وقدم تحقيق “وثائق باندورا” الاستقصائي، تفاصيل مالية سرية عن هؤلاء الزعماء والقادة والمسؤولين العرب، مبينا ممتلكاتهم المسجلة “خفية” في “ملاذات ضريبية” تخفي مصدر الأموال الملوثة.

وبلغ عدد الشركات التي تم فضحها 956 في ملاذات خارجية ثلثاها في جزر “فيرجن” البريطانية، ومرتبطة بـ336 سياسيا ومسؤولا حكوميا رفيعي المستوى، من قادة الدول ووزراء الحكومة والسفراء وغيرهم.

ويجري الحديث عن 11.3 تريليون دولار مهربة لهؤلاء الفاسدين في مغارة “علي بابا” في الخارج.

وقال “جريج ميلر” الصحفي في “واشنطن بوست” التي شاركت في “وثائق باندورا” لشبكة “إن بي آر” الأميركية، إن “ما يدفع قادة وزعماء لتحويل أموالهم إلى أماكن آمنة خارج البلاد، هو أن يستطيعوا الوصول إليها إذا أصبحوا خارج السلطة”.

وأكد للقناة في 4 أكتوبر/تشرين الأول 2021 أن “ما يثير الريبة والدهشة هو الجهود التي يبذلها هؤلاء الحكام لإخفاء هذه الثروات تحت شركات وهمية، رغم حالة التدهور الاقتصادي التي تعيشها بلدانهم”.

حكام الخليج

أبرز أسماء المسؤولين العرب الـ12 التي تم كشفها حتى الآن هي لمسؤولين خليجيين، بينهم حاكم دبي راشد المكتوم، ورئيس وزراء البحرين السابق خليفة بن حمد، وحاكم الكويت السابق صباح الأحمد، وأمير قطر تميم بن حمد، وملك الأردن عبد الله الثاني.

الإمارات، كشفت الوثائق أن محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الإمارات ورئيس الوزراء، وحاكم إمارة دبي منذ عام 2006، يساهم في ثلاث شركات بجزر “فيرجن” البريطانية والبهاماس.

السعودية، ورد اسمها في وثائق باندورا ضمن فضيحة تتعلق بالكشف عن وصول أسلحة اشترتها من صربيا ظهرت بحوزة مقاتلي “تنظيم الدولة” في اليمن.

بعد كشفها، أصدر الملك سلمان بن عبد العزيز أمرا ملكيا بإعفاء الأمير فهد بن تركي من منصبه قائدا لقوات التحالف في اليمن، وكذا نجله نائب أمير منطقة الجوف، عبد العزيز، وتحويلهما إلى التحقيق بتهمة تعاملات مالية مشبوهة بعد بلاغ من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان سبتمبر/أيلول 2020، حسب الوثائق.

البحرين، ضمن الوثائق جاء اسم الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة، الذي كان أطول رئيس وزراء حكما في العالم حيث تولى في 1971 وتوفي عام 2020، وهو شقيق حاكم البحرين السابق وعم ملك البلاد الحالي حمد بن عيسى آل خليفة.

ويملك شركة وهمية تمتلك أصولا بقيمة 60 مليون دولار، وجاءت الأموال من “ثروة العائلة المالكة”، وفقا للملاحظات المكتوبة بخط اليد على تلك الوثائق.

الكويت، ورد اسم الأمير السابق صباح الأحمد الصباح الذي حكم منذ عام 2006 حتى 2020 ضمن الوثائق، وأنه وعائلته كانوا مستفيدين من شركتين مسجلتين في جزر “فيرجن” قيمتهما 2.2 مليون دولار.

قطر، تظهر وثائق التحقيقات أن الأمير تميم مرتبط بشركتين مسجلتين في جزر “فيرجن”، وكلاهما يملك عقارات راقية في لندن تقدر بـ110 مليون.

وربط التحقيق الاستقصائي بين أمير قطر وبين شركة “ثارب”، التي يديرها عضو مكتب الأمير، سلطان غانم الكواري، وهذه الشركة أصبحت المالك الوحيد لكورنورال تيراس، وهي واحدة من أغلى العقارات في لندن.

وضمن من وردت أسماؤهم في وثائق باندورا، رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم آل ثاني الذي قدرت مصادر غربية ثروته بـ 1.3 مليار دولار، كمالك أو مساهم أو ممثل لأربع شركات عقارات.

أزمة عميقة

تونس، ورد اسم الوزير السابق محسن مرزوق خلال حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ووزير الشؤون السياسية لاحقا عام 2014، ضمن الوثائق.

مرزوق اشترى شركة وهمية “إيجل وان” في “فرجين” عندما كان مستشارا لحملة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي الانتخابية.

الأردن، يعيش أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، وعجز موازنة يبلغ 2.89 مليار دولار، وتعتمد المملكة على المنح الخارجية البالغة أكثر من مليار دولار، وهناك مليون أردني يعيشون تحت خط الفقر الذي تبلغ نسبته 15.7 بالمئة.

لكن “باندورا” كشفت إنشاء ملك الأردن عبد الله الثاني، ما لا يقل عن 30 شركة في بلدان أو أقاليم أنظمتها الضريبية تخفي أرصدة الفساد، واشترى عبرها 14 عقارا فاخرا في الولايات المتحدة وبريطانيا بأكثر من 106 ملايين دولار.

فيما نفى بيان للديوان الملكي الأردني هذه المعلومات، وقال إنها “غير دقيقة” و”مغلوطة”، معتبرا أن نشر عناوينها يشكل “تهديدا لسلامة الملك وأسرته” وأوضح البيان أن الملك تحمل شخصيا كلفة عقاراته في الخارج.

وضمن من ظهر اسمهم في صندوق “باندورا”، من الأردن “نادر الذهبي” رئيس الوزراء السابق عام 2007، ويملك شركة خارجية أنشئت في “فيرجن”، للتغطية على ممتلكاته، ومعه ابنه أمجد.

وكذا رئيس الوزراء الأردني السابق عام 1996 عبد الكريم الكباريتي، الذي يملك وزوجته وطفلاه شركتين خارجيتين في “فيرجن” عام 2013، ولديه 1.5 مليون دولار في حسابات.

لبنان لغز

بسبب فساد لبنان، يبدو تناول الوثائق لها لغزا، إذ تشير لقيام كل المسؤولين تقريبا من كل المستويات حاليين وسابقين بافتتاح شركات وهمية وإدارة أصول وأموال، بداية من رئيس الوزراء الحالي نجيب ميقاتي، وحتى السابق، حسن دياب.

فالشعب على شفا الجوع وإحصاءات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “إسكوا”، تبني أن نسبة الفقر بلغت 74 بالمئة في صفوف اللبنانيين، لكن الوثائق تبين أن نخبته تهرب أموالها للخارج، رغم أزمة مالية واقتصادية خانقة.

رئيس الوزراء الجديد نجيب ميقاتي، وعد اللبنانيين بالعمل على حل الأزمة الاقتصادية العميقة وإجراء إصلاحات ثم فوجئ الشعب بورود اسمه في ملفات باندورا، بصفته واحدا ممن يمتلكون شركات تهرب أموالا.

كشفت تسريبات باندورا وجود 346 شركة لبنانية مسجلة في ملاذات ضريبية لتهريب أموال، وشملت أسماء المتورطين إلى جانب رئيسي الحكومة السابقين، مستشارا لرئاسة الجمهورية، أمل أبو زيد، ورئيس مجلس إدارة مصرف لبنان، مروان خير الدين، وأصحاب محطات تلفزيونية مثل تحسين خياط، ومصرفيين آخرين مثل سمير حنا.

وكشفت الوثائق أن ميقاتي هو مالك شركة “هيسفيل” للاستثمار التي أنشئت في بنما عام 1994، كما تمتلك الشركة عقارات في موناكو أحدها بأكثر من 10 مليون دولار.

وضمن قائمة “وثائق باندورا” رجال أعمال لبنانيون جرى ربطهم بـ”حزب الله” وتمويل الحزب ونفوذهم السياسي والمالي داخل الطائفة الشيعية، مثل صالح عاصي وقاسم حجيج الموضوع أيضا على لائحة العقوبات الأميركية.

وفي المغرب، كشف التحقيق أن الشقيقة الصغرى لملك المغرب محمد السادس، الأميرة للا حسناء، أنها اشترت عام 2002 منزلا فاخرا في لندن قرب قصر كنسينغتون بـ 11 مليون دولار، “باستخدام أموال من العائلة المالكة”.

\\

للإطلاع على المقال من المصدر، يرجى النقر هنا

القائمة