صراع الهويّات الجمعيّة في “السعودية الجديدة”

سياسة, مقالات
حفلات

تُعرف الهوية الجمعية بأنها رابطة معرفية وأخلاقية وعاطفية تربط الفرد بجماعة أو فئة أو ممارسة أوسع. وهي تصوّر لحالة أو علاقة مشتركة، وقد تكون متخيّلة بدلاً من أن تختبر مباشرة، وتكون مميزة من الهويات الشخصية، على الرغم من أنها قد تشكل جزءاً من هوية شخصية.

يعبّر عن الهويات الجمعية في مواد ثقافية- أسماء، سرديات، رموز، أساليب لفظية، شعائر، لباس، وما إلى ذلك- لكن ليست المواد الثقافية كلها من النوع الذي يعبّر عن هويات جمعية. ولا تتضمن الهوية الجمعية ما تتضمنه “المصلحة” من حساب عقلاني لتقويم الخيارات. وهي، بخلاف الأيديولوجيا، تحمل معها مشاعر إيجابية تجاه باقي أعضاء المجموعة.

التحدي التحليلي يكمن في الواقع في تحديد الظروف التي تعمل فيها العلاقات المختلفة بين المصلحة والهوية، والسياسة والهوية، تلك الظروف التي تشمل كلّا من السيرورات الثقافية والسيرورات البنيوية. وتشكل الحركات الاجتماعية الحديثة إحدى المباحث الخاضعة للجدال الفكري بين كونها تمثيلا لتعزيز الفاعلين لمصالحهم على حساب الهوية، أو أنهم يسعون للاعتراف بهويات وأنماط حياة جديدة.

في الحالة السعودية، لربما يصح تبني الوجهين معا لتعريف الواقع المجتمعي مع تولي محمد بن سلمان لدفة القيادة في “المملكة”. لكن ماذا إذا كنا أمام مستقبل صراع للهويات في شبه الجزيرة العربية؟

لو قارنّا بين ديناميات مختلفة، فسنجد أن مأسسة الامتياز المذهبي في السعودية، ولّد تفاوتاً شديداً وواسعاً ووفر في النهاية الأساس لمطالبة الفئة الشيعية بالمساواة القانونية بداية وصولاً إلى إسقاط نظام آل سعود باعتباره رمزاً للسلطة العنفية وغير الشرعيّة على أراضي شبه الجزيرة العربية.

في السعودية، لا يمكن حصر الصراع الهويّاتي بين من يتبنون الفكر الوهابي وبين من سمح لهم مؤخراً بتبني مبدأ الانفتاح تأسيسا لهوية يراد لها أن تكون جامعة لتساهم في نشر زخم التحول إقليميا ودولياً. بل يظهر جلياً أيضا ما ورد سابقا من مذهبة للهويات الموجودة لما تمثله من عامل إضافي في التصنيفات.

وفي مقاربة واقعية تسمح لنا بتقديم إطلالة علائقية بين التفسير الأكاديمي ومثله الميداني على النموذج السعودي، يُظهر “المجتمع السعودي” شرخاً عميقا بدت تجلياته بالظهور لناحية حقيقة الكبت السياسي والفكري والديني الممارس بحق الأجيال تباعاً. حيث أن العولمة ساهمت في تفاقم هذا الوضع بالتوازي مع ما  أتاحته من مساحات حرة نسبياً للتنفيس النسبي أيضا، خاصة لدى فئة الشباب.

لم تتكفل مواقع التواصل الاجتماعي وحدها بكشف عمق الهوّة بين التوجه العام المراد للبلاد ما قبل بن سلمان وبين ما هو ملاحظ على أرض الواقع. بل إن اجراءات وليّ العهد ساهمت في كشف النقاب عن الكثير مما كان يمارس في الظل من جهة، ودفع بفئة ممن كانوا على الخط الفاصل بين الهويّة المحافظة والتعبير عن هوية حقيقية كامنة في الوعي الفردي الخاص إلى “الجرأة” في التعبير عن أنفسهم.

بطبيعة الحال، إن ما ورد لا يقدم مجمل الحالات الموجودة، وفي هذا الإطار لا بد من التأكيد على أن مشاهد الأطفال، دون سن الثمانة عشر، المشاركين في فعاليات موسم الرياض لا يعبرون فعليا عن هوية بل يمثلون حالة من الانسياق الأعمى وغير الواعي لحالة جديدة تخلق في “السعودية” ترعاها مؤسسات الدولة، الأمر الذي يزيل عنهم خوف العقاب.

وبالتالي، إن كان الخوف لدى فئة معينة دافعهم الحقيقي للكبت، فلربما تم تذليل أحد أهم العقبات المانعة للتعبير عن النفس أو في سبيل تجربة أي شيء جديد، لمجرد أنه جديد وبات مسموحا به بعد أن كان من المحرمات في بلاد الحرمين الشريفين.

ما ورد لربما قد يبدو شقا نفسيا لا رابط سياسي يمكن البناء عليه، إلّا أنه في حقيقة الأمر يمثل تهديدا خطيرا للمسار والنهج الجديد المتبنى من قبل محمد بن سلمان.

انضمام الرياض لركب العواصم التي ترعى الحفلات الغنائية وتفتتح شواطئها لإحياء الحفلات الراقصة المختلطة مع عدم الحرص على وجود أي رابط شرعي بين الحاضرين والقاطنين، هو بالنسبة لمحمد بن سلمان ضرورة للمضي قدما في رؤيته المُعلن عنها، وخطوة لازمة لجذب المال الخارجي الحريص على الاستثمار في “المكان الصح” الضامن لتحقيق المكاسب والربحية.

لكن لا بد من طرح علامات استفهام حول استعداد المجتمع السعودي لهذه التغييرات، لهذه المساحة من الحرية الطارئة، لغياب أي منهجية للتعامل مع انعكاسات ما بات متاحاً، للمعايير الجديدة التي ستوضع على أساسها المناهج التعليمية وغيرها من الأمور الضرورية، الأمر الذي يؤكد التشخيص بقصور رؤية 2030 .

إن هذه “النقلة” لا يرتكز تنفيذها على حصريّة كف يد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخلق بديلا عنها يتولى أمر تنظيم الاحتفالات وتبني الصورة الجديدة للسعودية، بل يجدر الخوف من العنف الناتج عن الكبت طوال عقود مضت.

وفي الحديث عن العنف، برزت في الآونة الأخيرة وخاصة في الاحتفالات التي نظمت بمناسبة ما يسمى “اليوم الوطني” و”موسم الرياض” وغيرها، ممارسات عنفيّة للحضور تجاه السيدات المتواجدات، حيث رصدت الكاميرات حالات من التحرش الفردي والجماعي مع غياب تام لأي رادع أخلاقي أو عرفي أو حتى سلطوي من قبل هيئة الترفيه الراعية للوجه الحضاري للملكة.

لن يشكل انتشار هذه المقاطع المصورة رادعا لبن سلمان وتركي آل الشيخ لكبح جماح تهورهم الاجتماعي، بل سيخلق حالة من الكبت غير المألوف على الضفة الأخرى، بمعنى أن حظوظ تكاثر جوقة المحذرين والمستائين من حالة الانفتاح هذه ستدفع بالعديد من فئات المجتمع السعودي المتمسكين بـ”الهوية الإسلامية للمملكة” والمحافظة على تبني أفكار أهل الدين داخل المجالس الضيقة لشن حملة معاكسة ورافضة للنهج المتبع من داخل التحصينات الوهابية الفكرية.

مخاطر توسع هذا الاصطفاف يكمن في وجود احتماليات دعمه من قبل أعداء بن سلمان في الداخل، أو من قبل العائدين من السجون العراقية بعد “الجهاد” في صفوف القاعدة وداعش، وهنا يأتي الحديث عن ما يمكن أن يخلق من ولاء للفكرة والمبدأ وهذا أخطر ما في الهوية إذا ما تعارضت مع الهوية والإرادة السياسية الرسمية.

\\

للإطلاع على المقال من المصدر، يرجى النقر هنا

, , , ,

أخترنا لك

القائمة