كواليس صفقة استحواذ السعودية على نيوكاسل وكيف تغلبت على اعتراضات المنظمات الحقوقية

نادي نيوكاسل

كانت صفقة استحواذ السعودية على نادي نيوكاسل الإنجليزي تبدو مستحيلة، عندما طرحت قبل سنوات، ولكن تغييرات كثيرة حدثت مكنت من إتمام هذه الصفقة التي أسعدت مشجعي الفريق الإنجليزي العريق، ولكن أثارت الجدل بشأن مآل السياسات البريطانية.

ويحظى نادي نيوكاسل بمكانة خاصة في مدينة نيوكاسل أبون تاين الواقعة في شمال إنجلترا.

في هذه المدينة لا توجد تحفة معمارية تضاهي كاتدرائية ماريا دل فيوري في فلورنسا ولا كنيسة توازي في شموخها كنيسة ساغرادا فاميليا في برشلونة، تصبو إليها الأعين وتعتبرها ممثلةً لهوية المدينة وروحها. ففي نيوكاسل، ليس للكاتدرائيات والقلاع، ولا حتى للسور الروماني الذي بناه الإمبراطور هادريان، سوى أهمية ثانوية.

في نيوكاسل، روح المدينة هي ملعب “سانت جيمس بارك” الممتد فوق أفق المدينة والراسخ في قلبها، ذلك البناء العظيم والعملاق والمتداعي (وربما حتى المتهدم في بعض أجزائه) في الآن نفسه.

لكن الآن أصبح هذا الملعب، وناديه لكرة القدم المحاصر بضائقته المالية، مملوكين للسعودية، أو على الأصح لصندوق ثروتها السيادية.

يقول تقرير لمجلة The Atlantic الأمريكية حول صفقة استحواذ السعودية على نادي نيوكاسل: “للوهلة الأولى، قد يتبادر إلى الذهن، بطبيعة الحال، أن هذا الأمر لا بد أنه لم يمر مرور الكرام، بل إنه أثار جدلاً محتدماً في المدينة، فهذه ليست دولة أوروبية مثلاً اشترت نادي كرة قدم إنجليزي. لا، إنها دولة يحكمها الرجل الذي خلصت الولايات المتحدة في تحقيقات لها إلى أنه أمر بقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي وتقطيع أوصاله، وتخوض منذ سنوات حرباً وحشية في اليمن”.

ومع ذلك، لا يبدو أن كثيرين في نيوكاسل يعبأون بذلك حقاً. ولا غرابة في ذلك، بل السؤال لمَ قد يعبأون؟ فعديد من خصومهم في الدوري الإنجليزي الممتاز مملوكون بالفعل لبعض الأنظمة والأشخاص المكروهة إلى حد كبير: نادي مانشستر سيتي، على سبيل المثال، اشترته أبوظبي، ونادي تشيلسي مملوك لأحد أفراد الطبقة الحاكمة المعروف بعلاقاته مع الكرملين. فما الداعي إذاً لرفض الأموال التي لم يرفضها الآخرون؟

ولطالما انتقد كثير من النشطاء هذه الاستراتيجية بوصفها نوعاً من “غسيل السمعة عبر القطاع الرياضي”، واستخدام الرياضة المفضلة في جميع أنحاء العالم لصرف الأنظار عن السجلات السيئة لانتهاكات حقوق الإنسان.

كيف استقبلت المدينة صفقة استحواذ السعودية على نادي نيوكاسل؟

أصرَّ الوسيط الذي سهَّل عملية استحواذ السعودية على نادي نيوكاسل إصراراً عجيباً على أن الدولة السعودية ليست هي المستحوذة على نادي نيوكاسل لكرة القدم، وأن المستحوذ هو صندوق ثروتها السيادية، الذي قال الوسيط إن له اعتناءً حقيقياً بحماية حقوق الإنسان. لكن كليهما، بالطبع، يديره ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

من جهة أخرى، ترمز صفقة بيع نيوكاسل إلى مفارقة أشد جوهرية وإثارة للغم في حالة بريطانيا. فالدوري الإنجليزي الممتاز هو منتج نشأ وازدهر في عصر مختلف، قبل الأزمة المالية العالمية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتولي دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة.

كان الدوري الإنجليزي أشبه بنموذج يرمز إلى بريطانيا المنفتحة الأوروبية الرأسمالية. وهو الدوري الأغنى والأكثر مشاهدة في العالم، مع قواعد استثمار وملكية أكثر انفتاحاً بكثير من نظرائها، ومع ذلك فهو يعمل ضمن هيكل أوروبي أكبر وأكثر عالمية في انتشاره وثقافته واستثماراته، ويبيع منتجَه إلى العالم بثمن أغلى من أي منافس له.

يجادل أستاذ التاريخ ديفيد إدجرتون بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي انطوى في جزء منه على صرخةٍ تطالب بإعادة السيادة الوطنية. وأن يأتي هذا من العمال العاديين- ومنهم أولئك الذين يعيشون في المناطق الأشد فقراً في البلاد، مثل المنطقة المحيطة بنيوكاسل، على سبيل المثال- أمرٌ مفهوم. فالتصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي في هذه القراءة، لم يكن نوعاً من الهوس برد الفعل الإمبراطوري، بل على العكس: كان نوعاً من الحنين إلى عالم بريطانيا بعد الإمبراطورية، عندما كان الاقتصاد الإنجليزي وطنياً، وليس دولياً.

إذا كان الحال كذلك، فلمَ يتصرف الدوري الإنجليزي الممتاز وجماهيره وكأن شيئاً لم يحدث: في نيوكاسل، عندما سمعوا بالخبر، توافد بعض المشجعين على ملعب سانت جيمس بارك، وارتدى بعضهم أغطية رأس شبيهة بالغطاء العربي التقليدي [إشارة إلى السعودية ودول الخليج] للاحتفال بالثروة الجديدة التي وقع عليها ناديهم.

يبدو الأمر برمته مليئاً بالتناقضات. فمن ناحية، تستمع إلى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وهو يخبر أعضاء حزب المحافظين في مؤتمره السنوي الأسبوع الماضي، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان دواءً لا بد منه لإصلاح الاقتصاد البريطاني، ولجعلِ بريطانيا أكثر هيمنة على اقتصادها، والبريطانيين أكثر مهارة وأعلى أجوراً.

ومن الناحية الأخرى، ها هي بريطانيا، التي تحوز الاتحاد الرياضي الأشهر في العالم، تسمح لأي شخص بشراء أنديته، ما دام لديه كثير من الأموال، بدعوى أن هذا سيجعل منتج الدوري الإنجليزي أفضل منتج لبيعه في السوق الدولية.

تفاصيل الصفقة

في تقريرها الذي جاء بعنوان “كيف استحوذ التحالف المالي بقيادة السعودية على ملكية نادي نيوكاسل يونايتد”، سلَّطت صحيفة The Financial Times البريطانية الضوءَ على كواليس صفقة استحواذ السعودية على نادي نيوكاسل، وما سمته الصحيفة بملحمة طويلة من المحاولات السعودية للاستحواذ على النادي لأسباب بعيدة كل البعد عن ملاعب كرة القدم ورغبات المشجعين المتعطشين لأمجاد فريقهم.

في أكتوبر/تشرين الأول 2019، دُعيت العارضة السابقة وسيدة الأعمال، أماندا ستافيلي وزوجها إلى لقاء على متن اليخت العملاق “سيرين” المملوك لولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وعلى ضفاف البحر الأحمر، عرضت أماندا صفقةً على ياسر الرميان، محافظ صندوق الثروة السيادي السعودي الذي تبلغ قيمة أصوله قرابة 450 مليار دولار.

بحسب الصحيفة البريطانية، كانت أماندا بذلت قصارى جهدها لإتمام هذه الصفقة بمفردها: شراء نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي. لكن السبل أعيتها، فلجأت إلى هذا التحالف.

صفقة استحواذ السعودية على نادي نيوكاسل
سيدة الأعمال أماندا ستافيلي التي لعبت دوراً رئيسياً في الصفقة/ رويتر

مع ذلك، ستؤدي خلافات سياسية وتجارية إلى تأجيل الصفقة لمدة عامين، قبل أن تتم هذا الأسبوع بعدما استحوذ التحالف المالي الذي يقوده صندوق الاستثمارات العامة في المملكة على النادي من مالكه السابق البريطاني، مايك آشلي، مقابل 305 ملايين جنيه إسترليني (نحو 415 مليون دولار أمريكي). وقد أُعلن عن تولي الرميان رئيساً غير تنفيذي لنادي نيوكاسل، وانضمت أماندا، إلى جانب مجموعة من المستثمرين، إلى مجلس إدارة النادي.

اعتمدت صحيفة The Financial Times على مقابلات عديدة مع أشخاص مشاركين مباشرة في المفاوضات الخاصة بالصفقة، ومنهم مسؤولون في اتحاد كرة القدم الإنجليزي ومسؤولون حكوميون من المملكة المتحدة ومن الشرق الأوسط، وخلصت منها إلى أن اكتمال الصفقة بعد تعثرها الطويل جاء مرتبطاً بسلسلة من الأحداث الجيوسياسية، من مغادرة دونالد ترامب للبيت الأبيض إلى الانفراجة الجديدة في العلاقات بين زعماء الخليج المتنافسين، بالإضافة إلى ضغط مستمر من مسؤولين بريطانيين، وتغيرات طرأت على الأهداف التجارية للدوري الإنجليزي، لا سيما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

أماندا ستافيلي دبرت استحواذ أبوظبي على مانشستر سيتي

اشتهرت أماندا ستافيلي بمشاركتها السابقة في المحادثات المتقطعة التي انتهت بتدبير عملية شراء الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، أحد أفراد الأسرة الحاكمة في أبوظبي، لنادي مانشستر سيتي في عام 2008، وبعد ذلك بوقت قصير، استثمار أبوظبي لمبلغ 3.5 مليار جنيه إسترليني (4.7 مليار دولار) في بنك باركليز في ذروة الأزمة المالية العالمية.

تقول أماندا إنها وقعت في “هوى النادي” بعد حضورها مباراة لفريق نيوكاسل ضد ليفربول في عام 2017، وحاولت التفاوض على استحواذ شركتها الاستثمارية PCP Partners عليه. لكن محادثات الاستحواذ التي استمرت لفترة طويلة انهارت في عام 2018 بإعلان مالك النادي أن المفاوضات مع أماندا كانت “مضيعة للوقت”. لكن أماندا، المعروفة بعلاقاتها الخليجية الوثيقة، لم تيأس وعادت لإحياء المفاوضات بعد أن جلبت مستثمراً أشد نفوذاً وثراء بكثير منها، في هيئة صندوق الاستثمارات العامة السعودي، ومستثمرين آخرين هما الأخوان البريطانيان ديفيد وسيمون روبن.

استأنفت أماندا المفاوضات حول صفقة استحواذ السعودية على نادي نيوكاسل ومعها هذه المرة ياسر الرميان ومن خلفه ولي العهد الأمير محمد. وكان صندوق الاستثمارات السعودي قد شرع في حملة إنفاق بمليارات الدولارات لتطوير قطاع الرياضة والترفيه في المملكة والترويج لصورة جديدة لبلاده المعروفة بأنها دولة محافظة. وجاءت محاولات شراء نادٍ لكرة القدم خطوةً على الدرب نفسه الذي سلكته من قبل دولتي الجوار الخليجيتين: الإمارات وقطر.

السعودية تريد تحسين صورتها عبر الرياضة والفن

تشير صحيفة The Times البريطانية إلى أن ولي العهد السعودي تبنى منذ توليه السلطة في عام 2017 هذه السياسة واعتمادها جزءاً من خطته لجعل صورة بلاده أكثر استساغة لدى الغرب، ومن ثم شراء نوعٍ من الاحترام. وقد اشتمل ذلك على استضافة فعاليات بارزة في رياضة الجولف وسباقات السيارات، والتقرب من الاتحاد الدولي لكرة القدم. وبطبيعة الحال، فإن امتلاك نادٍ في الدوري الإنجليزي الممتاز يتماشى تماماً مع هذه الاستراتيجية، ومن هنا جاء اهتمامه بصفقة استحواذ السعودية على نادي نيوكاسل.

استمرت المفاوضات مع مالك نادي نيوكاسل، وبحلول أبريل/نيسان من العام الماضي 2020، وافق آشلي على عرض التحالف المالي بقيادة السعودية لشراء النادي، ولم تعد الصفقة تنتظر سوى موافقة الهيئات التنظيمية للدوري الإنجليزي الممتاز.

لماذا رفضت رابطة الدوري الإنجليزي الصفقة في البداية؟

مع ذلك، اضطرت أماندا بعدها بثلاثة أشهر إلى سحب صفقة استحواذ السعودية على نادي نيوكاسل، بعد أن رفضت رابطة الدوري الإنجليزي إتمامها بناءً على قناعة مفادها أن السعودية ستصبح المالك الفعلي للنادي، ورغبتها في إعلان هذه الحقيقة على الأوراق.

ومعنى ذلك أن الدولة الخليجية ستصبح مجبرة على الخضوع لتقييم ملاك النوادي ومسؤولي رابطة الدوري، التي يمكن أن تعاقب المشترين المحتملين إذا ارتكبوا أي مخالفة في ولاية قضائية أجنبية يمكن اعتبارها جريمة جنائية في المملكة المتحدة، حتى لو لم يكن غير قانوني في أراضيهم.

beIN Sports ومنظمة العفو الدولية تعترضان

بالإضافة إلى ذلك، اعترضت مجموعة beIN Sports الإعلامية القطرية، صاحبة الحقوق الرسمية لمباريات الدوري الإنجليزي الممتاز في الشرق الأوسط، على الصفقة، لا سيما أنها تخضع لحصار اقتصادي فرضته عليها السعودية وحلفاؤها في الخليج. كما أن السعودية لحقت بها اتهامات بشأن إنشاء محطة قرصنة تُدعى beoutQ استولت على البث المباشر للشبكة القطرية عبر أجهزة فك التشفير. حتى إن رابطة الدوري الإنجليزي قدمت شكاوى قانونية ضد السعودية بأنها سهَّلت بث المباريات المقرصنة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فمع أن منظمة العفو الدولية أخبرت رابطة الدوري الإنجليزي أنها تعترض على الصفقة لسجل السعودية “المروع” في انتهاكات حقوق الإنسان، فإن الاعتراضات اختُزلت، بدلاً من ذلك، في استنكار مطالبة الرابطة بالتوقيع على صفقة بيع لأحد أنديتها لدولة حظر حاكمها الشبكة المالكة رسمياً لحقوق البث التلفزيوني للدوري، أي أنها دولة لا يمكن مشاهدة مباريات نيوكاسل فيها بطريقة قانونية.

تدخل سياسي رفيع المستوى

أدى ذلك الرفض إلى تدخل سياسي رفيع المستوى، فقد أرسل ولي العهد السعودي بن سلمان- وهو أيضاً رئيس صندوق الاستثمارات العامة السعودي- رسالة نصية إلى بوريس جونسون ليطلب منه “تصحيح” قرار رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز.

خلال الأشهر الأخيرة، عقدت ستافيلي والرميان ما وُصف بأنه سلسلة من المحادثات “البناءة” مع رئيس رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز غاري هوفمان. وعملت هذه الأطراف على التوصل إلى مجموعة من “التأكيدات الملزمة قانوناً” بأن المملكة لن تكون هي المالك المستحوذ على النادي، وإن أشارت صحيفة The Financial Times إلى نقص التفاصيل المتوفرة حول كيفية تطبيق هذه الإلزامات في الممارسة العملية.

أما فيما يتعلق بنزاع القرصنة بين السعودية وقطر، فتقول صحيفة The Times إنه وإن كان لم يُحسم بعد، فإن الالتزام بضخ 370 مليون جنيه إسترليني (نحو 504 ملايين دولار) أخرى في الدوري الإنجليزي يبدو أنه كان كافياً لإزالة ما كان عقبة كبيرة في طريق الصفقة.

مساء إعلان الصفقة قالت أماندا ستافيلي: “كنت أعلم أننا سنبلغ مرادنا في نهاية المطاف”، وذلك بعد ساعات من تلقي اعتراض آخر من منظمة العفو الدولية، لكنه وقع على آذان صماء من رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز والجهات صاحبة المصلحة في إتمام الصفقة.
في ختام مقاله بشأن الصفقة، يقول توم ماكتاغ، الكاتب بمجلة The Atlantis، إن صفقة استحواذ السعودية على نادي نيوكاسل يبدو وكأنه ابن لزمن آخر ورمزية تكشف عن المستقبل، إنها صفقة تنتمي إلى زمن لم تعد فيه بريطانيا تكترث بمصدر الأموال ما دام أنها جاءت إلى بريطانيا. هذا الزمن الذي باتت فيه بريطانيا أوثق صديق للصين في الغرب، غير عابئة بانتهاكات حقوق الإنسان في هذا البلد. وهو نفسه الزمن الذي صارت فيه لندن موطئ قدم لأي شخص يريد تبييض سمعته بإنفاق أمواله القذرة.
على الجانب الآخر، تقول صحيفة The Times إن الشعور بالنشوة لا يزال يعم الأرجاء بين مشجعي نيوكاسل، فقد ملأوا حساباتهم على فيسبوك بصور الاحتفال بالصفقة في الحانات، واحتشدت تعليقات بالحديث عما سيفعله أنطونيو كونتي، مدرب تشيلسي السابق- الذي يأمل كثيرون منهم في أن يحل محل بروس- إذا تولى منصبه والنتائج التي سيُحققها. وفي غضون ذلك، ينظر العالم الخارجي ويتساءل عما تقوله هذه الصفقة الأخيرة عن كرة القدم عامةً، وعن كرة القدم الإنجليزية خاصةً.

\\

للإطلاع على المقال من المصدر، يرجى النقر هنا

القائمة