فايننشال تايمز: الإمارات في مرمى “السعودية”!

اقتصاد, سياسة, مقالات
محمد بن سلمان ومحمد بن زايد

اعتبرت صحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير لها نشر أمس، أن الإمارات باتت في مرمى النيران السعودية ما ينبئ بتوتر العلاقات بين دول الخليج العربية. مشيرة إلى أن الرياض تقوم باستعراض قوتها الاقتصادية في المنطقة بالتوازي مع ترقب انطلاق مؤتمر “مبادرة الاستثمار”، في 26 أكتوبر/تشرين الثاني الحالي، وذلك سعيًا لتحقيق الريادة استنادا إلى ثقلها الجغرافي.

ولفتت الصحيفة البريطانية، إلى مرونة الاستثمار في الإمارات مقارنة بباقي دول المنطقة من الناحية الاقتصادية، من خلال تقديمها لنمط حياة أكثر ليبرالية للمديريرن التنفيذيين الأجانب مقارنة مع السعودية بالرغم من قدرت هؤلاء على الاستقرار فيها. واستشهد التقرير بوجود العديد من المصرفيين والمستشارين والمحامين والمصنعين، ممن يقيمون مشاريعهم التجارية في الإمارات، دون قطع علاقاتهم وروابطهم  نهائيا مع السعودية لما تمثله من أكبر سوق استهلاكي في الخليج وأكبر اقتصاد في الشرق الأوسط.

سلط التقرير الضوء على سعي ولي العهد “محمد بن سلمان” الحثيث، بوصفه الحاكم الفعلي للبلاد،  للمضي في تبني خططًا “طموحة” لتحديث بلاده وتطوير صناعات جديدة وخلق فرص عمل للشباب في المملكة، في سبيل تغيير وجهة النظر عن بيئة الأعمال في الرياض.

وفي هذا السياق، يعمل بن سلمان على صياغة شروط للاستثمار في بلاده تقوم على إلزام الشركات الراغبة في القيام بأعمال تجارية، ولا سيما مع الدولة لكونها المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، فعليها أن تعمل من داخل المملكة وأن توظف السعوديين، بما يعزز تطلعات “بن سلمان” لتحويل السعودية إلى المركز الاقتصادي المهيمن في المنطقة.

ويأتي إنشاء مركز الملك عبد الله المالي في الرياض جزءًا من سياساته المتبناة لجذب الرساميل وتوطينها، إذ يراهن ولي العهد الشاب ومساعدوه على “حجم المملكة” وقدراتها الممكنة اقتصاديا، بالرغم من افتقارها إلى العديد من سمات الراحة المتوفرة للمقيمين في دبي.

وتنقل الصحيفة عن مسؤول سعودي قوله: “العملاق يستيقظ”، مضيفا: “هذا ليس ضد الإمارات، يبدو الأمر كما لو كنت نائما والغبار كان يترسب على جسدك. ثم تستيقظ وتتخلص منه”.

تردد صدى هذه “الصحوة” الاقتصادية في جميع أنحاء الإمارات ومجالس إدارة الشركات الموجودة بها، خاصة بعدما وجه “بن سلمان” إنذارا نهائيا للشركات الأجنبية بنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض بحلول عام 2024 أو نسيان العقود الحكومية المربحة، التي تمثل جائزة كبرى لكثير منها.

كما غيرت الرياض لوائحها المنظمة لدخول الواردات من دول مجلس التعاون الخليجي (الإمارات والكويت وقطر وعمان والبحرين)، وسحبت امتيازات التعريفة الجمركية من السلع المصنعة في المناطق الحرة، أو تلك التي تنتجها الشركات التي يشكل الموظفون الخليجيون فيها أقل من 25% من القوة العاملة.

وتزايد الضغط على الشركات لتوقيع تراخيص تضفي الطابع الرسمي على خطط لنقل مقارها إلى الرياض قبل مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، رغم أن الإطار التنظيمي لهذا النقل لا يزال غير واضح.

وتشير “فايننشال تايمز”، في هذا الإطار، إلى الحليفين القديمين، السعودية والإمارات، لما لديهما من علاقات متوترة، ففي عام 2009 أُبطلت الإمارات خطط البنك المركزي الخليجي بصك عملة موحدة عندما انسحبت من المبادرة لأن الرياض كان مقررا أن تكون مقرا للبنك وليس أبوظبي.

يؤكد التقرير على أن العلاقات بين الطرفين شابها الفتور مع مقتل جمال خاشقجي عام 2018، حيث شعر قادة الإمارات بالقلق من “عدوى الإدانة الدولية”، التي طالت بن سلمان على خلفية دور الرياض في عملية الاغتيال. ولفت إلى ما كان يرصد من مستقبل للعلاقات خاصة بعد أن تولى محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي دور الحليف الداعم لبن سلمان.

وفي تفنيد الصحيفة لأسباب الفتور، تورد ضمن تقريرها الانسحاب الإماراتي المزعوم من الحرب على اليمن في العام 2019، كما اختلاف الحليفان حول حصص إنتاج النفط بمنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك). وتضيف بأن “بن سلمان” لم يكن يريد للرياض أن تكون “شريكاً صغيراً” في العلاقة مع أبو ظبي.

غير أن المسؤولين في الرياض يصرون على أنهم لا يستهدفون الإمارات، بل يحاولون فقط تحقيق مصالحهم الخاصة، وهو ما نقلته الصحيفة البريطانية عن أحدهم قائلا: “هذا لا يتعلق بالسعودية مقابل الإمارات. طموحاتنا تذهب أبعد من ذلك، وستظل دبي موجودة دائمًا (..) نمونا سوف يترجم إلى نمو وازدهار للمنطقة بأكملها”.

وسواء كان ذلك عمداً أم لا، فقد باتت الإمارات في مرمى النيران الاقتصادية للسعودية، وهو ما ظهر جليا في يوليو/تموز الماضي (الشهر الأول بعد فرض السعودية للتعريفات الجمركية الجديدة)، حيث تراجع حجم واردات الإمارات إلى السعودية بنحو الثلث.

وبات مؤكدا أن اقتصاد السعودية، البالغ حجمه 700 مليار دولار، يقزم إنتاج الإمارات، البالغ 421 مليار دولار، في حين أن عدد سكانها، البالغ 33 مليون نسمة، هو 3 أضعاف سكان جارتها، حيث يمثل المغتربين نسبة 90% من السكان البالغ عددهم 10 ملايين نسمة.

مشاريع عملاقة في الرايض تنتظر التمويل

في المقابل، يتساءل بعض المحللين عن الكيفية التي ستمول بها السعودية مشاريعها العملاقة وما إذا كانت قوتها المالية وحدها ستكون كافية لجذب شركات جديدة إلى البلاد.

وعزز من طرح التساؤل أن عديد المستثمرين الأجانب أظهروا إقبالا محدودا على خطط “بن سلمان” الاستثمارية.

فمنذ أن أطلق ولي العهد برنامجه لرؤية 2030 في عام 2016، كان الاستثمار الأجنبي المباشر فاترًا ، حيث انخفض من 7.45 مليار دولار في عام 2016 إلى 1.42 مليار دولار في عام 2017، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة.

صحيح أن هذا الرقم ارتفع إلى 5.5 مليار دولار العام الماضي، مع إصدار أكثر من 400 ترخيص للمستثمرين الأجانب في الربع الأول من عام 2021، إلا أن ذلك يزيد قليلاً عن “ربع” الاستثمار الأجنبي المباشر الذي حصلت عليه الإمارات، وأقل بكثير من الهدف المعلن برؤية السعودية 2030، البالغ 100 مليار دولار.

ويعزو المحللون تحفظ المستثمرين إلى المخاوف بشأن البيئة التنظيمية للاقتصاد السعودي ونموه الضعيف في السنوات الأخيرة، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بسمعة المملكة في ظل حكم “بن سلمان” بعد جريمة اغتيال “جمال خاشقجي” والحملة القمعية عام 2017، التي أدت إلى احتجاز مئات الأمراء ورجال الأعمال، بمن فيهم الشركاء المحليون لمستثمرين أجانب، في فندق ريتز كارلتون، وإجبارهم على نقل أصولهم إلى الدولة.

وبإضافة أن الإمارات لم تنتظر لترى كيف ستتكشف خطط الرياض الاقتصادية، حيث اتخذ مسؤولوها بالفعل شملت تقديم تأشيرات طويلة الأجل للمغتربين والسماح للأجانب بامتلاك الشركات بالكامل، يمكن قراءة نمط المنافسة بين الحليفين المتنافسين، إذي يسعى كل منهما إلى توفير “بيئة” أكثر ملاءمة لجذب الاستثمارات.

وبينما تكثر الشائعات بأن السعودية قد تضفي الشرعية على المشروبات الكحولية في مناطق معينة، خاصة تلك السياحية الواقعة على ساحل البحر الأحمر، هناك تكهنات بأن الإمارات ربما أن تلغي تجريم المثلية الجنسية وتغير أسبوع عملها ليبدأ من يوم الإثنين حتى يوم الجمعة.

ويعتقد مسؤول تنفيذي غربي أنه سيكون من الممكن للمملكة أن تجتذب قدرًا أكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر إذا كانت هناك حوافز كافية و”أنت قادر على توظيف العمالة الأجنبية الرخيصة، ولديك ضرائب منخفضة ومرافق مدعومة، لكن الكثير من ذلك سوف يختفي”، على حد قوله، في إشارة إلى التخفيضات في الإعانات والضغط على الشركات لاستبدال العمال الأجانب بتعيينات محلية أكثر تكلفة – وفي بعض الأحيان أقل مهارة.

ويضيف أنه غالبًا ما يكون هناك ارتباك بين الوزارات المختلفة التي تم تحديد أهدافها كجزء من خطط الأمير محمد التي تتعارض مع بعضها البعض.

وقال: “هناك تناقض كبير؛ فعندما تتحدث إلى الناس في وزارة الاستثمار، فهذا يبدو وكأنه جنة المستثمر. وعندما تتحدث إلى الشركات التي تعيشها يومًا بعد يوم، يكون الأمر جحيمًا” كما يقول المسؤول التنفيذي.

\\

للإطلاع على المقال من المصدر، يرجى النقر هنا

, , , ,

أخترنا لك

القائمة