كرة القدم والاستغلال السياسي

كرة القدم والاستغلال السياسي

تعد كرة القدم اللعبة الأكثر إمتاعا، والأكثر شعبية وجماهيرية في العالم، تخطى تأثيرها حدود الزمان والمكان، وتخللت حواجز الممنوع والمحظور بين الأسر والمجتمعات والدول، وأضحت الرياضة الأولى على مستوى العالم التي تجتمع لأجلها الشعوب وتتفرق، وتتقارب لأجلها الدول وتتباعد.

وأكثر من ذلك؛ فالدولة التي تنجح في هذه اللعبة، وتحقق فوزا يؤهلها للوصول إلى كأس العالم،  تتناسى كل أمجادها التاريخية، وتلتفت لهذ الفوز، وكأنها ليس لها من النجاحات والانتصارات إلا هذا، فتتغنى به مجدا، وتفاخر به كأعظم حدث وطني حققته منذ نشأتها.

هذا في إطار الدولة الواحدة، لكنها فيما بين الدول التي لا تفرق بين الرياضة والسياسة، غالبا ما يقود التنافس المحموم بينها جراء هذه اللعبة إلى توتر في العلاقات، قد تفضي إلى قطيعة سياسية.

لقد تعدى الغرض من هذه اللعبة من كونه ترفيه وإمتاع للشعوب إلى كونه أداة بيد زعماء الدول والأنظمة السلطوية لإلهاء الشعوب وإخضاع الجماهير، والتحكم في تفكيرهم.

 ففي السعودية مثلا؛ عندما تم تأسيس أعرق أندية الحجاز، أطلق عليه اسم “نادي الحزب”، وكان ناد رياضي وثقافي واجتماعي، ولكن سرعان ما تم تغيير اسمه إلى “نادي الوحدة” والاكتفاء منه بأن يكون ناديا رياضيا وحسب، ثم في مرحلة الألفية همشت الكثير من الألعاب الفردية و الجماعية لصالح كرة القدم.

لقد اتخذت الأنظمة العربية  من هذه اللعبة وسيلة إلهاء للشعوب والجماهير العربية، وغطاء على عيونها وتفكيرها، حتى لا تفكر إلا في المنتخبات المتقدمة، والفرق الفائزة، والدول المتأهلة، ومن ثم ترضى هذه الشعوب وتلك الجماهير بأن تزداد جوعا، أو تنتكس جهلا، أو تموت مرضا، فلقد اختار لها الحاكم (المبارك) طريق الرياضة ولا سوى الرياضة، لتحيا عليها، وتقتات منها، وتزداد منها ثقافة، وتشبع من هتافاتها، وليكون المهم عندها أن يواصل منتخبها المفضل في الارتقاء وإحراز الميداليات والألقاب.

هكذا أراد الزعماء العرب والأنظمة العربية، فتراهم يسخرون لهذه اللعبة المليارات من الريالات، ويستجلبون لها الآلة الإعلامية الضخمة، وليس ذلك حبا للشعب أو تكريما للرياضيين، بل لأن في ذلك ضمان للنظام لأن يستمر في نهب الثروات دون منافس، وأن يطمئن بالبقاء على كرسيه دون منازع، فالشعوب لاهية، والجماهير مغيبة.

ولعل المفارقة الغريبة والمؤلمة أن هذا السخاء في الانفاق العربي السخي والمبالغ فيه على هذه اللعبة؛ يستخدم فيها أموال الشعوب من زكاة وضرائب، وهي التي من المفترض أن تعود إلى الشعب في هيئة خدمات تنموية، وتحسين ظروفهم المعيشية.

فدخول المنتخب الوطني في التصفيات النهائية يعتبر لدى الحاكم العربي إنجاز عظيم،  بينما خروج الدولة من التصنيفات العالمية في التنمية أو التعليم أمر عادي لا يلتفت إليه، لذا أوكلت رئاسة اتحادات كرة القدم لأبناء الرؤساء والملوك ولا يصلح حال المنافسات الرياضية إلا بابتعاد السلطة عن الرياضة حتى تنطلق شعبيا للمنافسة العالمية.

ولا مقارنة بين ما هو جار في الأنظمة العربية وبين ما هو كائن لدى الأنظمة الغربية، فبينما الأولى تستخدمها في استغلال الشعوب لنزواتها، تستغلها الأخرى في تنمية بلدانها، والإرتقاء بمجتمعاتها.

وهكذا قد تستغلها الأنظمة الاستبدادية لإعادة تجميل صورتها، فالمنتخب الإيطالي الذي فاز بكأس العالم لدورتي 1934 و1938 استغله النظام للتغني  بموسوليني، مستخدمين في ذلك الإعلامي الفاشي لخداع الجماهير الإيطالية لتتناسى مناخ القمع والقهر المخيم على الحياة العامة.

كما شكلت العلاقة العشقية بين الديكتاتور (فرانكو) وريال مدريد أبرز قصص تسييس كرة القدم، إذ سخر الجنرال الإسباني كل سبل الدعم المادي والمعنوي لتيسير اكتساح ناديه لأوروبا، فاحتكر مسابقة دوري الأبطال في نسخته القديمة لعدة مواسم متتالية خلال حقبة الخمسينات، وساهم ذلك في كسر طوق العزلة المفروضة على نظامه السياسي الذي كان ممقوتا من قبل جيرانه الأوروبيين بفعل سوابقه وعلاقاته مع النازية والفاشية إبان الحرب العالمية الثانية.

والوضع ذاته استخدمته الأنظمة العسكرية في الأرجنتين في كأس العالم 1978، حيث تم تهديد لاعبي منتخب هولندا إذا ما فازوا على منتخب الأرجنتين في النهائي، مرورا بالديكتاتوريات في أفريقيا والأنظمة السلطوية بالعالم العربي.

إن تكرار حالات تسييس كرة القدم يكشف طبيعة المقاصد السلطوية، فهي تُوظف إما لإستمالة كتل الجماهير الرياضية وكسب ودها في المعارك الانتخابية، وإما لإظهار إنجازات السلطة السياسية واستعراض نزعتها الوطنية، وهذا ما نشاهده بالفعل أثناء تتويج الفريق الفائز في المسابقات الكروية، حيث يحضر حفل التتويج الملك أو ولي العهد، لتسليم الجائزة للفريق الفائز، وبعد أيام يستقبل الفريق الفائز في قصره للتصوير. وهو ما لا يحصل في كثير من البلدان.

ولا شك أن هذه المقاصد توضح معالم سياسة الإلهاء التي تمارسها الأنظمة السياسية، وتستخدمها  لغسل سمعتها التي تفوح دكتاتورية وتسلطا. خاصة عندما تقوم تلك الأنظمة باستقطاب مصارعين وملاكمين عالميين ومغنين، كرسائل استجدائية للغرب لإظهار رقيهم وتحضرهم.

ولقد تطرقت دراسات كثيرة لخبايا صناعة الرأي العام وتضليل العقول، حيث يعتبر الباحث الأمريكي هربرت في كتابه “المتلاعبون بالعقول” أن الرياضات و(ضمنها كرة القدم من حيث الجوهر عنصر لا يمكن فصله عن صناعة متكاملة للوعي الجمعي، تتكامل مع عدة وسائل من بينها الإعلام، والثقافة، والفن) تضخ ألوانا مختلفة من الرسائل المحملة بقيم غايتها الأساس خلق حالة من الهوس الجماعي، والهروب من الواقع المرير، والتنفيس عن الكبت والحرمان والقهر.

ولفهم حجم وعمق التأثير يكفي الاطلاع على محتويات وسائل التواصل الاجتماعي، لرصد الاهتمام اليومي والتعبير عنها بوسوم (هشتاقات) متعددة، والحديث بلا سقف، وحرية مطلقة لتفريغ كل شحنات الغضب في مسارات الحياة الأخرى.

ولكن، مع أن تسييس كرة القدم قد حولها إلى عامل لتثبيط الجماهير، إلا أننا لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن ننفي أنها تظل دوما مصدرا للسعادة والتسلية للجماهير، والتنفيس عن همومهم اليومية، فمن منا لم يجرب متعة مشاهدة أطوار مبارأة وتحليل مجرياتها، ومن منا لم تشده تلك الأجواء الحماسية الأشبه بالحروب العنيفة؟

ولكننا نعود ونقول: إن هذه السياسة ما كانت لتنجح دون وجود قابلية ذهنية لدى الجماهير، خاصة لدى الطبقات الشعبية والشبابية التي تمثل ٦٠٪ من التعداد السكاني في الدول، التي تسعى للترويح عن النفس، وإشباع الرغبة في المتعة، ولا يخلو شعب من هذا البعد في أسلوب حياته.

بل إن كثيرا من الجماهير اتخذت من كرة القدم أسلوبا للهروب من الوضع السياسي المتردي، ومناخ القمع والترهيب، فتجدها تلجأ لمدرجات الملاعب لتروح عن نفسها وتفجر طاقاتها المتوثبة. ولذلك لا عجب في أن تتحول الملاعب الرياضية إلى ميادين لترديد الشعارات السياسية والاجتماعية، بعد أن تعذرت سبل ذلك في الشارع وأمام حشود الجماهير، وفي القلب منهم الشباب.

ويمكن فهم ظواهر الشغب في الملاعب الرياضية على أنها إزاحة لقضايا وهموم الوطن من مواقعها الأصلية إلى مواقع أخرى أرحب، خاصة بعد أن فقدت الشعوب ثقتها في منظمات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وترهل مؤسسات الدولة، لذلك تجدها تندفع في كتل هائلة لخلق هويات جديدة كظاهرة  (الأولتراس) التي انطلقت بشكل مؤثر في بداية الالفية، وجعلها وسيلة للتعبير عن المطالب والاحتياجات، علاوة على شحذ المشاعر الوطنية، وإيجاد مساحة للتعبير عن الفرح، وتسويق صورة مميزة للعالم الخارجي، والحصول على نشوة بتأثير شبيه بأثر تعاطي المخدرات على العقل.

ولكن؛ هل تستطيع الجماهير المقاومة والتأثير الإيجابي لإبراز قضاياها؟

بالتأكيد تستطيع، وبطرق كثيرة، كأن تنزل بعض الجماهير في المباريات المنقولة على الهواء مباشرة، وهي ترفع لافتة مكتوب عليها عبارات أو شعارات تعبر فيها عما يخالج صدورها، أو التجمهر أمام بوابات الدخول مع الاستعداد للتضحية بالحرية، وأحيان الغرامات المالية، وإن كنا نؤكد هنا أن الحذر مطلوب، فإيد النظام وأذرعته موجودة في كل مكان.

وأخيرا؛ هل ستستضيف السعودية كأس العالم؟

تواجه السعودية في ملف استضافتها لكأس العالم العديد من القضايا، لعل أبرزها قضية قرصنة حقوق بث فعاليات رياضية، والتي تقوم بها من خلال قناة “بي آوت كيو” التي تتخذ من الرياض مقراً لها. حيث قضت محكمة باريس الكبرى، في يونيو 2019، بأن “عربسات” متورطة وشريكة مع “بي آوت كيو” في قرصنة قنوات “بي إن سبورت” القطرية، وتبث ترددات قناة القرصنة على قمرها “بدر 4”.

فهل بعد هذه الاتهامات ستنال السعودية شرف استضافة كأس العالم؟!

, ,
المقالة السابقة
معهد أمريكي: استياء سعودي من تعزيز الإمارات مكانتها في واشنطن
المقالة التالية
معهد واشنطن: ابن سلمان مستاء من موافقة واشنطن على بيع مقاتلات “إف-35” للإمارات وليس المملكة
يجب أنت تكون مسجل الدخول لتضيف تعليقاً.

Related Posts

القائمة