مشروع “الجينوم البشري” الإماراتي.. كيف يرسخ قواعد التجسس والهيمنة؟

لجأت الإمارات إلى تشكيل شبكات تجسس عالية الدقة، مستخدمة أكثر وسائل الذكاء الاصطناعي تطورا مع جيش من القراصنة الغربيين، واستهدفت كبار رجال السلطة والإعلام، لإسقاط أنظمة وعروش عربية عبر تلك الخلايا المتوغلة، فصارت أكثر دول العالم تجسسا وقمعا.

مشروع “الجينوم البشري” الإماراتي، هو الحلقة الحدث لتعزيز سيطرة نظام أبوظبي على الإماراتيين، رغم أنه وضع تحت شعار “تقديم رعاية صحية متميزة” لكن الأبعاد الأمنية والاستخباراتية حاضرة بقوة بين ملامح هذا المشروع المستحدث.

أبوظبي، التي أطلقت صفحة رسمية إلكترونية بعنوان “الجينوم البشري الإماراتي.. لمستقبل أجيالنا”، أكدت خلالها أن البرنامج يأتي بهدف دراسة جينات المواطنين بالإمارات، عبر أحدث تقنيات تسلسل الحمض النووي، ولافتة أيضا إلى الاستفادة من القوة التحليلية لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

النقطة المثيرة للجدل في المشروع الإماراتي، المتخطية للجانب الطبي المعلن من قبل الدولة، هي مسألة الأمن وجمع المعلومات، لتقييد المعارضين ووأد أي حراك مناهض لسياسة ابن زايد، الموصوفة بـ”الاستبداد”.

أما النقطة الأخطر فتتمثل في أمن الدولة ككل، مع وجود دول غربية وشركات خاصة أجنبية تعمل بنشاط وتساهم في تدشين المشروع، وتسيطر على البنية المعلوماتية له.

وبالتالي ستكون مطلعة على الخريطة الجينية للشعب الإماراتي، والمقيمين المنخرطين بطبيعة الحال تحت مظلة المشروع.

خطوات حثيثة

مجلة “إنتيليجنس أونلاين” الفرنسية المتخصصة في شؤون الاستخبارات، كتبت يوم 16 يونيو/ حزيران 2021: إن “الشركة الإماراتية القابضة (G42)، التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي، وتركز على المجال الأمني، تعاقدت أخيرا مع شركات فرنسية، ذات ثقل في القطاع الأمني والمعلوماتي، لتمكنها من تطوير برامجها الرئيسة”.

وأوضحت أن “تلك البرامج للتكنولوجيا السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتهدف معظم تطبيقاتها إلى تمكين حكومة الإمارات من معالجة كمية كبيرة من البيانات وتعزيز قدراتها التكنولوجية وسيطرتها في مجالي البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي”.

وخصت المجلة الفرنسية بالذكر مشروع “الجينوم البشري الإماراتي، المختص بتحديد تسلسل الحمض النووي لسكان الدولة”.

وأوردت أن “المعني بالمشروع وتطويره، هو مستشار الأمن القومي بالإمارات طحنون بن زايد آل نهيان، ويستعين فيه بخبراء هنود وصينيين وفرنسيين وإيطاليين”.

الصحيفة الفرنسية واصلت رصدها للمشروع قائلة: إن “الشركة الإماراتية العاملة في مشروع (الجينوم البشري) تتلقى دعما كبيرا من الصين، لتطوير جميع تطبيقات الشركة على خدمات التخزين السحابية الخاصة بشركة (Huawei)”.

واستطردت: “أن شركة طحنون بن زايد، تبدي اهتماما متزايدا للتعاون مع الشركات الإسرائيلية في هذا المجال، من خلال افتتاح مكتب لها في تل أبيب، وتوقيعها اتفاق تعاون مع شركة (Systems Elta)، الإسرائيلية المتخصصة في مجال الحروب الإلكترونية”.

الجينوم البشري

تدشين المختبر

شركة “جي 42 للرعاية الصحية”، التابعة لمجموعة “42”، والتي تتخذ من أبوظبي مقرا لها، برئاسة مستشار الأمن القومي الإماراتي، طحنون بن زايد، قامت في 26 يناير/ كانون الثاني 2021، بتدشين مركز “أوميكس للتميز”.

المركز، يحتوى على المختبر الأحدث من نوعه في الدولة والمنطقة، لتحليل العينات الجينية، بهدف تبني سلسلة من مشروعات العلوم البيولوجية المتطورة، منها برنامج الجينوم الإماراتي.

وبحسب موقع “الإماراتي اليوم”، (حكومي)، يحتضن مركز “أوميكس للتميز” أكبر منصة للتسلسل الجيني من الجيل الثالث في الشرق الأوسط، ويخطط لإضافة معدات متطورة لرسم الخرائط البصرية إلى مرافقه، لإتاحة إجراء دراسات التباين الهيكلي بشكل أفضل.

برنامج الجينوم الإماراتي، كما ذكرت حكومة أبوظبي عبر موقعها الرسمي، يأتي امتدادا لبرنامج الجينوم السكاني الذي أطلق بمرحلته التجريبية في وقت سابق.

ويهدف البرنامج إلى استكشاف التركيبية الجينية لمواطني دولة الإمارات باستخدام تقنيات التسلسل الجيني والذكاء الاصطناعي المتقدمة لإنشاء بيانات جينومية دقيقة وشاملة.

وفي 15 يونيو/ حزيران 2021، اعتمد نائب رئيس الدولة، ورئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، محمد بن راشد آل مكتوم، تشكيل مجلس برنامج الجينوم الإماراتي، برئاسة الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، عضو المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، ورئيس مكتب أبوظبي التنفيذي.

وبهذا أصبح المجلس المسؤول عن إدارة أعمال برنامج الجينوم الإماراتي، والإشراف عليه، وهي الخطوة التي أبرزت مدى اهتمام السلطة العليا بالمشروع، والحرص على إدخاله حيزا أوسع في التنفيذ والعمل.

مشروع الإمارات البشري

هوس بالتجسس

مشروع “الجينوم البشري”، لم يكن باكورة سعي النظام الإماراتي للسيطرة والتجسس والتتبع المعلوماتي للإماراتيين.

ففي إطار من التشابكات والاستقطابات السياسية، والتوغل في محيطهم الخاص، بل والمنطقة بشكل عام، بعد أن أصبحت ملغومة بفضل سياستهم التوسعية، وإحداث الاضطرابات في دول مثل: اليمن وليبيا وسوريا، لجأت الإمارات إلى تشكيل شبكات تجسس عالية الدقة.

واستهدفت كبار رجال السلطة والإعلام، بل وعملت على إسقاط أنظمة وعروش عبر تلك الخلايا المتوغلة.

ففي 5 يوليو/ تموز 2019، أعلنت “الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية” الإماراتية، إطلاق  مبادرة جديدة، للترحيب بزوار الدولة بشكل غير تقليدي، وذلك عبر تمكينهم من التواصل مع ذويهم منذ اللحظة الأولى التي تطأ فيها أقدامهم أرض الإمارات.

وتمثلت في تقديم شريحة اتصال مجانية لكل زائر تتضمن عددا من دقائق الاتصال الهاتفي وحزمة بيانات خلوية.

وفي سبتمبر/ آب 2018، نشر موقع “إمارات ليكس” تحقيقا كشف استخدام أبو ظبي تقنيات صادمة للتجسس على الوافدين إليها، وما يتخلله ذلك من انتهاكات ووقائع تعسفية ضد المئات منهم.

وتفردت إمارة أبو ظبي بربط شبكات تجسس رقمية لتعقب تحركات الجميع، فأنشأت أنظمة مراقبة لا تستثني أحدا من أفراد ومؤسسات ومبان وشوارع.

أشهرها نظام “عين الصقر”، الذي أعلنت عنه أبو ظبي، وأنفقت عليه بسخاء لترسيخ العبارة المتداولة “أنها باتت تملك بنية تحتية للتجسس في جميع أنحاء البلاد”.

وسبق أن تم إعلان إلزام جهاز أمن الدولة الإماراتي، فنادق دبي بتركيب كاميرات داخل غرف نوم الفنادق، وظيفتها التجسس على المقيمين والسياح ورصد كل أنشطتهم بما في ذلك حركتهم في الطرق والسيارات.

نائب مدير مكافحة الجرائم الإلكترونية في إدارة البحث الجنائي بدبي، الرائد سالم عبيد سالمين، أكد أن “فريقا من مكافحة الجرائم الإلكترونية يقوم بمراقبة كل من موقع تويتر وفيسبوك لمنع جرائم الإساءة والتشهير”، وذلك تحت ذريعة منع جرائم الإساءة والتشهير.

 

الأكثر قمعا

من جانبها كشفت وكالة “رويترز”، في 1 أبريل/ نيسان 2019، عن برنامج تجسسي إماراتي بمسمى “مشروع ريفين”، ويقوم على تجنيد مجموعة من الخبراء السابقين في المخابرات الأميركية، ويعمل على اختراق والتجسس على هواتف شخصيات إعلامية عربية بارزة.

الوكالة أكدت أن “المشروع الاستخباري التجسسي عمل تحت مسمى ريفين أو (الغراب)، وضم 9 مجندين أميركيين من خبراء التسلل الإلكتروني بهدف التجسس على منشقين ومتشددين ومعارضين سياسيين للأسرة الحاكمة بالإمارات”.

ووصفت مجلة “ذا إنترسبت” الأميركية، الإمارات في يوليو/تموز 2017، بأنها من أكثر دول العالم تجسسا وقمعا.

وأعلنت أن حكومة “أبوظبي جندت جيشا من قراصنة غربيين لتحويل الإمارات إلى أكثر دول العالم استخداما لأكثر وسائل الرقابة تطورا وتعقيدا”.

وفي 29 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، وجهت 19 منظمة حقوقية، على رأسها “هيومن رايتس ووتش”، و”أمريكيون من أجل الديمقراطية”، و”المسيحيين من أجل إلغاء التعذيب”، رسالة للأمين العام للأمم المتحدة.

وأعربت عن قلق بالغ إزاء التقارير التي أعلنت ترشيح اللواء أحمد ناصر الريسي، المفتش العام لوزارة الداخلية بدولة الإمارات، لرئاسة الشرطة الجنائية الدولية (منظمة الإنتربول)”.

وحسب المنظمات فإن “انتخاب الريسي رئيسا للإنتربول من شأنه تقويض مصداقية الوكالة في مكافحة الجرائم الإلكترونية”.

وأشاروا إلى “لجوء السلطات الإماراتية منذ فترة طويلة إلى برامج التجسس التي ترعاها الدولة لاستهداف المعارضين والصحافيين ونشطاء المجتمع المدني”.

/

للإطلاع على المقال من المصدر، يرجى الضغط على كلمة اقــــرأ )

 

القائمة