“البدون” في “السعودية”.. معاناة منذ الولادة

حقوق, سياسة, مقالات
البدون في السعودية

في الوقت الذي يحصل فيه الأجانب على جنسيات في “السعودية” بذريعة “استقطاب العقول”، يقبعُ مئات الآلاف من البدون بدون جنسيات، ما يعني أنهم يحرمون من حقوقهم المدنية والاجتماعية للعيش كبقيّة المواطنين. لا تكتفِ سلطات الرياض بذلك، بل تعمد أيضاً إلى تهديد المجنسين من خلال خوض حملات ضدهم لترويعهم بسحب الجنسيات، مع العلم أن هؤلاء المواطنين يحملون الجنسية من قبل أن يحتل آل سعود الحجاز.

عندما تحرم دولة ما مواطنيها من حق المشاركة السياسية، تكون الامتيازات التي يحصل عليها المواطنون دون غيرهم مرتبطة بحقوق الإنسان الأساسية، كالرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي وحق التملك وحرية التنقل والعمل، بحسب الكاتبة حنان الهاشمي في مقالها “البدون والمعاناة المستمرة”، هنا يجد البدون نفسه يعيش في حرمان لعدم قانونية أوضاعه في بلاده، ولأنه لا يحمل أي جنسية فلا يوجد ما يلزم الدولة بتقديم أي خدمات له حتى بصفته مواطن لدولة أخرى تربطها بها معاهدات أو التزامات دولية، مما يجعل الحقوق التي يحصل عليها مرتهنة بمدى احترام الدولة التي يعيش فيها لأبسط حقوق الإنسان.

من هم البدون؟

يعرف البدون بأنهم مجموعات من قبائل عربية من البدو الرحّل يعيشون بين الحدود السعودية والعراقية والكويتية والسورية والأردنية. بدأت معاناتهم عند وضع الحدود السياسية بين دول المنطقة. حالياً، يوجدون في شمالي “السعودية” وهم من قبائل “عنزة” و”شمر” و”بني خالد” و”الأساعدة” من “عتيبة”. كذلك ينتشرون جنوبي “السعودية” ومن هذه القبائل “آل كثير” و”المصعبين” وبعض قبائل “العوالق” و”النسيين” و”خليفة” و”الكرب” و”همام” و”بالحارث” والبعض من قبائل “قحطان” و”همدان”.

هناك مئات الآلاف من البدون والمواليد غير المجنّسين في منطقة الحجاز، في مكّة والمدينة وجدّة، وثمّة كذلك عشرات الآلاف من المقيمين ولدوا هم وآباؤهم وأجدادهم في “السعودية”، يتكلّمون لغتها ولهجتها ولا يعرفون مواطنهم الأصلية، لكنهم عزلوا في أحياء عن المجتمع حتى أصبحوا مجتمعاتٍ منفصلة داخل مجتمعات. ليس للبدون جنسية، ويعني ذلك أنه ليس لهم أيّة حقوق، يتم أحياناً طردهم من المدارس على غرار ما يحصل مع بدون الكويت، لكن الفرق بينهم وبين بدون “السعودية” أنه في الكويت ثمّة مجال للشكوى ورفع الصوت على خلاف “السعودية” التي ليس فيها أي مجال للحديث عن قضايا البدون.

معاناة البدون

معاناة البدون تبدأ منذ الولادة، إذ يولد الطفل بدون شهادة ميلاد، سواء كان لأبوين من فئة البدون أو حتى وإن كانت الأم تحملُ جنسيّة ما فإن جنسيتها لا تعطى لطفلها. طفل البدون هذا يكبر لتبدأ رحلة معاناته منذ الالتحاق بالمدرسة، وبحال توفّرت له هذه الفرصة فإن تحصيله العلمي يتوقف عند الشهادة الثانوية، أما إذا أراد مواصلة الدراسة فلا توجد أمامه طريقة سوى الالتحاق بإحدى الجامعات الخاصة ذات التكاليف الباهظة، إضافة إلى ذلك، لا يسمح له بالعمل أو السفر. الجامعات تصنّف أولاد البدون كطلاب أجانب لا يستطيعون الاستفادة من المنح، كما أن دخول كلية الطب ممنوع عليهم. وفي أبرز تجليّات تناقض النظام السعودي في قضية البدون أنهم يعاملون “كسعوديين” في مجالات العمل بموجب تعليمات وزارتي الداخلية والعمل، لكن يتم الاعتذار منهم لاحقاً لأن الشركات ليس بوسعها التعامل معهم بسبب المعاملات المصرفية.

في الزواج عائق آخر يواجهه أبناء البدون، ذلك أنه لا يتم توثيق زواجهم في المحكمة بشكل رسمي، ولأن فئة البدون محرومة من الرعاية الصحية فإن المرأة من هذه الفئة تضطر في حالات كثيرة لأن تستعير هوية امرأة أخرى لتتمكن من الولادة في إحدى المشافي، وفي حالة الوفاة فإن المتوفى من هذه الفئة يحرم من حقه بالحصول على شهادة وفاة كما حرم قبلها من أن يعيش حياة كريمة. أما أحياء البدون فهي معزولة وتفتقر لأدنى المتطلبات الأساسية للحياة. علاوةً على ذلك، يعاني البدون من التهميش والتمييز الاجتماعي، إذ ينظر إليهم في حالات كثيرة باعتبارهم مجرمين أو غرباء عن المجتمع. وحتى الذين تم تجنيسهم خضعوا للمادة (9) التي تنصّ على عدم حصول أبنائهم على وظائف عسكرية أو رسمية، ولا يحق لهم الالتحاق بالتعليم، كما لا حق لهم في العلاج، وحتى المصارف لا تتعاون معهم. ونتيجةً لحرمان البدون من العلاج في المستشفيات، وصعوبة تعليمهم وإيجاد فرص عمل لهم، ينشأ جيل من المهمشين المعرضين لشتّى أنواع الأمراض النفسية جراء شعورهم بالظلم والحرمان، مما يدفع نسبة غير قليلة منهم للانتحار أو تعاطي المخدرات أو ارتكاب الجرائم.

يعاني البدون كثيراً للحصول على فرصة عملٍ في “السعودية”، وفي حال حصلوا عليها فإنهم يحرمون من تعويضات نهاية الخدمة ومن مستحقاتهم الوظيفية أسوةً ببقية الموظفين، إذ ثمّة أشخاص من البدون يخدمون في السلك العسكري لعقود ثم يحالون إلى التقاعد من دون راتب أو مكافأة بسبب غياب الرقم الآلي. كما أنهم لا يستطيعون استخدام تطبيقات الهاتف أمثال “توكلنا” الذي أصبح تفعيله إلزاميّاً في الرياض لدخول المنشآت الحكومية وزيارة الأماكن العامة، وتطبيق “أبشر” لتسهيل الإجراءات على المواطنين والمقيمين بدلًا من مراجعتهم للدوائر الحكومية، والسبب أن هذه التطبيقات تحتاج إلى رقم هوية لا يمتلكها البدون.

يذكر أنه في عام 2012 تحدّث وكيل وزارة الداخلية للأحوال المدنية عبد الرحمن بن عبد العزيز الفدا عن”قرب إصدار نظام لتجنيس البدون”. ورغم العديد من التصريحات المشابهة من وزارة الداخلية في السنوات الأخيرة، إلا أنه لم يصدر أي حل جذري من ناحية منح جنسية أو وثائق شخصية تعتبر أساسية وإلزامية لإتمام أمور العمل والتعليم والزواج وغيرها، كالهوية والوطنية وبطاقة العائلة وجواز السفر وغيرها. وحتى بعد المناشدات العديدة من هيئة حقوق الإنسان، فإن أوضاع البدون ما زالت معلقة بانتظار تحقيق تلك الوعود.

\\

للإطلاع على المقال من المصدر، يرجى النقر هنا

, , , , ,

أخترنا لك

القائمة